
هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (2)
نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب
هل اتّباع الأكثريّة قانون طبيعي يُبرّر الاستغناء عن الحقّ، أم أنّ الحقّ واقع ثابت لا يخضع لأهواء الأغلبية؟ وهل حقّقت الحضارة الغربية السعادة الحقيقيّة، أم أنّنا نخطئ بتقييم أخلاقيّاتها عبر “النظرة الفرديّة”، متجاهلين المنهج القرآني الذي يعتمد “النظرة الاجتماعيّة” لتقييم الأمم ككيان واحد؟ وكيف تتجلّى شخصيّة الغرب الاجتماعيّة عند احتكاكه بالشعوب الضعيفة واستعبادها بعيداً عن شعاراتها البراقة؟ مناقشة نقدية للعلامة الطباطبائي لتفكيك شبهة الأكثريّة، وتقييم المدنية الغربية بمنظار يكشف الفجوة العميقة بين شعاراتها الإنسانية وواقعها التاريخي.
هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲)
3الحقّ هو الواقع الدائم أو الكثير وما يوافقه من نظر الناس ولو كانوا قلّة وليس نظر أكثر الناس
إذا عرفت هذه الأمور تبيّن لك أنّ الحقيّة ـ و هي دوام الوقوع أو أكثريّة الوقوع في الطبيعة الراجعة إلى الدوام و الثبات أيضًا ـ إنما هي صفة الخارج الواقع وقوعًا دائميًّا أو أكثريًّا دون العلم و الإدراك، وبعبارة أخرى هي صفة الأمر المعلوم لا صفة العلم، فالوقوع الدائمي و الأكثريّ أيضًا بوجه من الحقّ، و أما آراء الأكثرين و أنظارهم و اعتقاداتهم في مقابل الأقلّين فليست بحقّ دائمًا، بل ربّما كانت حقًّا إذا طابقت الواقع و ربّما لم تكن إذا لم تطابق، و حينئذ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان، و لا أنّه يخضع لها لو تنبّه للواقع، فإنّك إذا أيقنت بأمر ثمّ خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم، و إن اتبعتهم فيه ظاهرًا فإنّما تتّبعهم لخوف أو حياء أو عامل آخر لا لأنّه حق واجب الاتباع في نفسه.
ردّ القرآن لكون الأكثر محقّين
و من أحسن البيان في أنّ رأي الأكثر و نظرهم لا يجب أن يكون حقًّا واجب الاتباع قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾۱ فلو كان كلّ ما يراه الأكثر حقًّا لم يمكن أن يكرهوا الحقّ و يعارضوه.
النتيجة
و بهذا البيان يظهر فساد بناء اتباع الأكثريّة على سنّة الطبيعة، فإنّ هذه السنّة جارية في الخارج الذي يتعلّق به العلم دون نفس العلم و الفكر، و الذي يتّبعه الإنسان من هذه السنة في إرادته و حركاته إنّما هو ما في الخارج من أكثريّة الوقوع، لا ما اعتقده الأكثرون، أعني أنّه يبني أفعاله و أعماله على الصلاح الأكثريّ و عليه جرى القرآن في حكم تشريعاته و مصالحها، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾٢، و قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٣ إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبيّة الوقوع للأحكام المشرّعة.
- سورة المؤمنون، الآية ٧٠.
- سورة المائدة، الآية ٦.
- سورة البقرة، الآية ١٨٣.
