
هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (1)
نقد الحضارة الغربيّة
لماذا تبدو الحضارة الغربيّة مستديمة بينما لم يستمرّ النظام الاجتماعيّ الإسلاميّ طويلاً في فجر التاريخ؟ هل يُعدّ تباين الدين مع أوضاع العصر الحاضر دليلاً على فشله؟ وما الفارق الجوهريّ بين مجتمع يجعل غايته اتّباع الحقّ، ومجتمع يبني قوانينه على أهواء الأكثريّة والتمتّع المادّيّ؟ وإلى ماذا يؤول اتّباع الأهواء قرآنيًّا؟ قراءة نقديّة عميقة لأسس الحضارة الغربيّة، وإثبات لقابليّة التشريع الإسلاميّ للتطبيق والاستمرار، يعالجها العارف والمفكّر والمفسّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.
هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱)
6و لازم ذلك أن يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك [على] ما يوافق هواه من رذائل الشهوة و الغضب فيستحسن كثيرًا ممّا كان يستقبحه الدين، و أن يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق و المعارف العالية مستظهرًا بالحريّة القانونيّة.
و لازم هذا اللازم أن يتحوّل نوع الفكرة عن المجرى العقليّ إلى المجرى الإحساسيّ العاطفيّ، فربّما كان الفجور و الفسق في مجرى العقل تقوى في مجرى الميول و الإحساسات، و سمّي فتوّة و بِشرًا وحسن خلق كمعظم ما يجري في أوربا بين الشبّان، و بين الرجال و النساء المحصنات أو الأبكار، وبين النساء و الكلاب، و بين الرجال و أولادهم و محارمهم، و ما يجري في الاحتفالات و مجالس الرقص وغير ذلك مما ينقبض عن ذكره لسان المتأدّب بأدب الدين.
و ربّما كان عاديّات الطريق الدينيّ غرائب و عجائب مضحكة عندهم و بالعكس، كلّ ذلك لاختلاف نوع الفكرة و الإدراك باختلاف الطريق، و لا يستفاد في هذه السنن الإحساسيّة من التعقّل كما عرفت إلا بمقدار ما يسوّى به الطريق إلى التمتّع و التلذّذ، فهو الغاية الوحيدة التي لا يعارضها شيء و لا يمنع منها شيء إلا في صورة المعارضة بمثلها، حتّى إنّك تجد بين مشروعات القوانين الدائرة أمثال «الانتحار» و «دُئِل»۱ و غيرهما، فللنفس ما تريده و تهواه إلا أن يزاحم ما يريده ويهواه المجتمع!
إذا تأمّلت هذا الاختلاف تبيّن لك وجه أوفقيّة سنّة المجتمع الغربيّ لمذاق الجامعة البشريّة دون سنّة المجتمع الديني.
ليست الحضارة الغربيّة وحدها موافقة لهوى الإنسان
غير أنّه يجب أن يتذكّر أن سنّة المدنيّة الغربيّة وحدها ليست هي الموافقة لطباع النّاس حتّى تترجّح بذلك وحدها بل جميع السنن المعمولة الدائرة في الدنيا بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانيّة إلى عصرنا هذا من سنن البداوة و الحضارة تشترك في أنّ النّاس يرجّحونها على الدين الداعي إلى الحقّ في أوّل ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنيّة الماديّة.
و لو تأمّلت حقّ التأمّل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلّفة من سنن الوثنيّة الأولى غير أنّها تحوّلت من حال الفرديّة إلى حال الاجتماع، و من مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقّة الفنيّة.
- Duel أي قتال رسمي متفق عليه بين شخصين (تاريخياً باستخدام الأسلحة مثل السيوف أو المسدسات) لتسوية خلاف أو الدفاع عن الشرف. كما تُستخدم مجازياً للتعبير عن أي منافسة شديدة أو صراع ثنائي بين طرفين. (م)
