
شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع
أثر الثقافة الاجتماعيّة على الفرد
هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون مجتمع؟ كيف بدأت الحياة الاجتماعيّة للإنسان وما هي صورها المختلفة وكيف تطوّرت؟ ما هو دور الأديان بصورة عامّة في تأسيس وتطوير الحياة الاجتماعيّة للإنسان؟ وبماذا يختلف الإسلام عن الشرائع السابقة في هذا المجال؟ ما هو السرّ في اهتمام الإسلام بالحياة الاجتماعيّة للإنسان؟ ما النقلة النوعيّة التي أحدثها القرآن في علم التأريخ وكيف ظهرت في أعمال المؤرّخين اللاحقين؟ بحوث تأسيسيّة في الاجتماع الإسلاميّ على ضوء القرآن الكريم يعالجها المفكّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.
شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع
7و قد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع و هدايتها إلى سعادتها الحقيقيّة هذا المعنى الحقيقيّ فيها و لا مناصّ من اعتباره، قال تعالى: ﴿وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً﴾۱، و قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى﴾٢، و قال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾٣.
تكوّن شخصيّة جديدة للمجتمع لها حياتها وموتها وآثارها
و هذه الرابطة الحقيقيّة بين الشخص و المجتمع لا محالة تؤدّي إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمدّه الأشخاص من وجودهم و قواهم و خواصّهم و آثارهم، فيتكوّن في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود و خواصّ الوجود. و هو ظاهر مشهود. و لذلك اعتبر القرآن للأمّة وجودًا و أجلاً و كتابًا وشعورًا و فهمًا و عملاً و طاعة و معصية فقال:
﴿وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ﴾٤، و قال: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾٥ و قال: ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾٦، و قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾۷، و قال: ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ﴾۸، و قال: ﴿وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾٩، وقال: ﴿وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾۱۰.
القرآن أوّل من أرّخ للأمم وأحدث نقلة نوعيّة في علم التأريخ
و من هنا ما نرى أنّ القرآن يعتني بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك و العظماء، و لم يشتغل المؤرّخون بتواريخ الأمم والمجتمعات إلا بعد نزول القرآن، فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي و ابن خلدون حتّى ظهر التحوّل الأخير في التاريخ النقلي بتبديل الأشخاص أممًا، و أوّل من سنّه على ما يقال: أغوست كُنت الفرنسي المتوفى سنة ۱۸٥۷ ميلاديّة.
شدّة تأثير المجتمع على الفرد
و بالجملة لازم ذلك على ما مرّت الإشارة إليه ۱۱ تكوّن قوى و خواص اجتماعيّة قوية تقهر القوى والخواص الفرديّة عند التعارض و التضادّ، على أنّ الحس و التجربة يشهدان بذلك في القوى و الخواصّ الفاعلة و المنفعلة معًا، فهمّة الجماعة و إرادتها في أمر كما في موارد الغوغاءات و في الهجمات الاجتماعيّة لا تقوم لها إرادة معارِضة و لا مضادّة من واحد من أشخاصها و أجزائها، فلا مفرّ للجزء من أن يتبع كلّه و يجري على ما يجري عليه، حتّى أنّه يسلب الشعور و الفكر من أفراده و أجزائه، و كذا الخوف العام والدهشة العامّة كما في موارد الانهزام و انسلاب الأمن و الزلزلة و القحط و الوباء أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة و الأزياء القوميّة و نحوهما تضطرّ الفرد على الاتّباع و تسلب عنه قوّة الإدراك والفكر.
- سورة الفرقان، الآية ٥٤.
- سورة الحجرات، الآية ۱٣.
- سورة آل عمران، الآية ۱٩٥.
- سورة الأعراف، الآية ٣٤.
- سورة الجاثية، الآية ٢۸.
- سورة الأنعام، الآية ۱۰۸.
- سورة المائدة، الآية ٦٦.
- سورة آل عمران، الآية ۱۱٣.
- سورة غافر، الآية ٥.
- سورة يونس، الآية ٤۷.
- أشار إليه في الفقرة التي تحت عنوان: تكوّن شخصيّة جديدة للمجتمع لها حياتها وموتها وآثارها في قوله: و هذه الرابطة الحقيقيّة بين الشخص والمجتمع لا محالة تؤدّي إلى كينونة أخرى في المجتمع... (م)
