
شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع
أثر الثقافة الاجتماعيّة على الفرد
هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون مجتمع؟ كيف بدأت الحياة الاجتماعيّة للإنسان وما هي صورها المختلفة وكيف تطوّرت؟ ما هو دور الأديان بصورة عامّة في تأسيس وتطوير الحياة الاجتماعيّة للإنسان؟ وبماذا يختلف الإسلام عن الشرائع السابقة في هذا المجال؟ ما هو السرّ في اهتمام الإسلام بالحياة الاجتماعيّة للإنسان؟ ما النقلة النوعيّة التي أحدثها القرآن في علم التأريخ وكيف ظهرت في أعمال المؤرّخين اللاحقين؟ بحوث تأسيسيّة في الاجتماع الإسلاميّ على ضوء القرآن الكريم يعالجها المفكّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.
شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع
2بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
تمهيد
[تعرّض العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه لبحث اجتماعيّ مفصّل آخر ضمن تفسيره لآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾۱ بنى فيه على ما أسّسه في آية ﴿كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيّين... ﴾٢ والذي عُرِضَ في الأبحاث الأربعة السابقة٣، وبيّن في هذا البحث الجديد ضمن ۱٥ فصلاً أسس وملامح النظام الاجتماعيّ والثقافي والسياسي في الإسلام، سنعرضها تباعًا ضمن هذه السلسلة:]
﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا﴾ «إلخ»، الأوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد، و الصبر في طاعة الله، و الصبر عن معصيته، و على أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله.
و المصابرة هي التصبر و تحمل الأذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال و يشتد الوصف و يتضاعف تأثيره، و هذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد، وفي حال الاجتماع و التعاون بإيصال القوى بعضها ببعض و سنبحث فيه إن شاء الله بحثا مستوفى في محلّه.
قوله تعالى: ﴿وَ رَابِطُوا﴾ أعم معنى من المصابرة و هي إيجاد الجماعة الارتباطَ بين قواهم و أفعالهم في جميع شئون حياتهم الدينيّة أعم من حال الشدّة و حال الرخاء، و لما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا و الآخرة و إلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا و ليست بحقيقة السعادة، عقّب هذه الأوامر بقوله تعالى: ﴿وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يعني الفلاح التامّ الحقيقي.
۱ـ الإنسان والمجتمع
كون النوع الإنساني نوعًا اجتماعيًّا لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث، فكلّ فرد من هذا النوع مفطور على ذلك٤، و لم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ و الآثارُ المشهودة الحاكيةُ لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها و يحكم على هذه الأرض.
- سورة آل عمران، الآية الأخيرة ٢۰۰.
- سورة البقرة، الآية ٢۱٣.
- وهي تحت العناوين التالية:
۱ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
٢ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
٣ـ سبع حقائق حول الدين والمجتمع
٤ـ هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ - راجع حول معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱۷. والبحث المنتخب منه تحت عنوان:كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟ فقرة: اضطرار الإنسان إلى المجتمع والعدالة ومخالفاته وظلمه.
