
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
الفوارق بين التشريع الدينيّ والوضعي
كيف عالج الله تعالى مشكلة النزاع في المجتمع الإنسانيّ؟ وما الفارق بين التشريعات الإلهيّة والوضعيّة في ذلك؟ وهل صحيح أنّ الدين قائم على الجهل والتقليد ومحاربة العلم؟ وما الفرق بين النزاع الاجتماعيّ والنزاع الدينيّ؟ وهل للإنسان حياة اجتماعيّة بعد الدنيا؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
9غير أنّ الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه كما أشرنا إليه فيما مرّ لا يحبسه هذا الاجتماع القهريّ ـ من حيث التعاون على رفع البعض حوائج البعض ـ عن الاختلاف و التغالب و التغلّب، و هو كلّ يوم يزداد علمًا و قوّة على طرق الاستفادة، و يتنبّه بمزايا جديدة، و يتيقّظ لطرق دقيقة في الانتفاع، وفيهم الأقوياء و أولوا السطوة و أرباب القدرة، و فيهم الضعفاء و من في رتبتهم، و هو منشأ ظهور الاختلاف، الاختلاف الفطريّ الذي دعت إليه قريحة الاستخدام، كما دعت هذه القريحة بعينها إلى الاجتماع و المدنيّة.
و لا ضير في تزاحم حكمين فطريّين، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما، و يعدّل أمرهما، و يصلح شأنهما، و ذلك كالإنسان تتسابق قواه في أفعالها، و يؤدّي ذلك إلى التزاحم، كما أنّ جاذبة التغذّي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة و لا تسعه المعدة، و هناك عقل يعدل بينهما، و يقضي لكل بما يناسبه، و يقدّر فعل كل واحدة من هذه القوى الفعّالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها.
و التنافي بين حكمين فطريّين فيما نحن فيه من هذا القبيل، فسلوك فطرة الإنسان إلى المدنيّة ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤدّيان إلى التنافي، و لكنّ الله يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير و الإنذار، و إنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.۱و٢
- تفسير الميزان، ج٢، ص: ۱۱۸ـ ۱٢٦.
- بعد هذا تعرّض العلاّمة لمناقشة تفسيرات الآية من قبل المفسرين كما يلي:
و بهذا البيان يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أنّ المراد بالآية أنّ الناس كانوا أمّة واحدة على الهداية، لأنّ الاختلاف إنّما ظهر بعد نزول الكتاب بغيًا بينهم، و البغي من حملة الكتاب، و قد غفل هذا القائل عن أنّ الآية تثبت اختلافين اثنين لا اختلافًا واحدًا، و قد مرّ بيانه، و عن أنّ الناس لو كانوا على الهداية فإنّها واحدة من غير اختلاف، فما هو الموجب بل ما هو المجوز لبعث الأنبياء و إنزال الكتاب و حملهم على البغي بالاختلاف، و إشاعة الفساد، و إثارة غرائز الكفر و الفجور و مهلكات الأخلاق مع استبطانها؟
و يظهر به أيضًا: فساد ما ذكره آخرون أنّ المراد بها أن الناس كانوا أمّة واحدة على الضلالة، إذ لولاها لم يكن وجه لترتب قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إلخ، و قد غفل هذا القائل عن أنّ الله سبحانه يذكر أن هذا الضلال الذي ذكره و هو الذي أشار إليه بقوله سبحانه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، إنّما نشأ عن سوء سريرة حملة الكتاب و علماء الدين بعد نزول الكتاب، و بيان آياته للناس، فلو كانوا على الضلالة قبل البعث و الإنزال و هي ضلالة الكفر والنفاق و الفجور و المعاصي فما المصحّح لنسبة ذلك إلى حملة الكتاب و علماء الدين؟
و يظهر به أيضا ما في قول آخرين إنّ المراد بالنّاس بنو إسرائيل؛ حيث إنّ الله يذكر أنّهم اختلفوا في الكتاب بغيا بينهم، قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾، و ذلك أنّه تفسير من غير دليل، و مجرّد اتّصاف قوم بصفة لا يوجب انحصارها فيهم.
و أفسد من ذلك قول من قال: إن المراد بالناس في الآية هو آدم (ع)، و المعنى أن آدم عليه السلام كان أمّة واحدة على الهداية ثمّ اختلف ذريّته ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إلخ، و الآية بجملها لا تطابق هذا القول لا كلّه و لا بعضه.
و يظهر به أيضًا فساد قول بعضهم: إنّ «كان» في الآية منسلخ عن الدلالة على الزمان كما في قوله تعالى: ﴿وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾، فهو دالّ على الثبوت، و المعنى: أنّ الناس أمّة واحدة من حيث كونهم مدنيّين طبعًا فإنّ الإنسان مدنيّ بالطبع لا يتمّ حياة الفرد الواحد منه وحده، لكثرة حوائجه الوجوديّة، و اتساع دائرة لوازم حياته، بحيث لا يتمّ له الكمال إلا بالاجتماع و التعاون بين الأفراد والمبادلة في المساعي، فيأخذ كلّ من نتائج عمله ما يستحقّه من هذه النتيجة و يعطي الباقي غيره، و يأخذ بدله بقيّة ما يحتاج إليه و يستحقه في وجوده، فهذا حال الإنسان لا يستغني عن الاجتماع والتعاون وقتًا من الأوقات، يدلّ عليه ما وصل إلينا من تاريخ هذا النوع الاجتماعيّ المدنيّ و كونه اجتماعيًّا مدنيًّا لم يزل على ذلك فهو مقتضى فطرته و خلقته غير أنّ ذلك يؤدّي إلى الاختلاف، واختلال نظام الاجتماع، فشرع الله سبحانه بعنايته البالغة شرائع ترفع هذا الاختلاف، و بلغها إليهم ببعث النبيين مبشرين و منذرين، و إنزال الكتاب الحاكم معهم للحكم في موارد الاختلاف.
فمحصل المعنى أنّ الناس أمّة واحدة مدنيّة بالطبع لا غنى لهم عن الاجتماع و هو يوجب الاختلاف فلذلك بعث الله الأنبياء و أنزل الكتاب.
و يرد عليه أوّلاً: أنّه أخذ المدنيّة طبعًا أوليًّا للإنسان، و الاجتماع و الاشتراك في الحياة لازمًا ذاتيًّا لهذا النوع، و قد عرفت فيما مرّ أنّ الأمر ليس كذلك، بل أمر تصالحي اضطراريّ، و أنّ القرآن أيضًا يدلّ على خلافه.
و ثانيًا: أنّ تفريع بعث الأنبياء و إنزال الكتب على مجرّد كون الإنسان مدنيًّا بالطبع غير مستقيم إلا بعد تقييد هذه المدنيّة بالطبع بكونها مؤدّية إلى الاختلاف، و ظهور الفساد، فيحتاج الكلام إلى التقدير و هو خلاف الظاهر، و القائل مع ذلك لا يرضى بتقدير الاختلاف في الكلام.
و ثالثًا: أنّه مبنيّ على أخذ الاختلاف الذي تذكره الآية و تتعرّض به اختلافًا واحدًا، و الآية كالنصّ في كون الاختلاف اختلافين اثنين، حيث تقول: ﴿وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فهو اختلاف سابق على الكتاب و المختلفون بهذا الاختلاف هم الناس، ثمّ تقول وما اختلف فيه أي في الكتاب إلا الذين أوتوه أي علموا الكتاب و حملوه بغيًا بينهم، و هذا الاختلاف لاحق بالكتاب متأخّر عن نزوله، و المختلفون بهذا الاختلاف علماء الكتاب و حملته دون جميع النّاس، فأحد الاختلافين غير الآخر: أحدهما اختلاف عن بغي و علم، و الآخر بخلافه.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
