
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
الفوارق بين التشريع الدينيّ والوضعي
كيف عالج الله تعالى مشكلة النزاع في المجتمع الإنسانيّ؟ وما الفارق بين التشريعات الإلهيّة والوضعيّة في ذلك؟ وهل صحيح أنّ الدين قائم على الجهل والتقليد ومحاربة العلم؟ وما الفرق بين النزاع الاجتماعيّ والنزاع الدينيّ؟ وهل للإنسان حياة اجتماعيّة بعد الدنيا؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
8تفسير آية كان الناس أمّة واحدة
قوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، الناس معروف و هو الأفراد المجتمعون من الإنسان، و الأمّة هي الجماعة من الناس، و ربّما يطلق على الواحد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ﴾۱، وربما يطلق على زمان معتدّ به كقوله تعالى: ﴿وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾٢، أي بعد سنين و قوله تعالى: ﴿وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَة﴾٣، و ربما يطلق على الملة و الدين كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾٤، و في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، و أصل الكلمة من أمّ يأمّ إذا قصد فأطلق لذلك على الجماعة لكن لا على كل جماعة، بل على جماعة كانت ذات مقصد واحد و بغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، و هو المصحّح لإطلاقها على الواحد و على سائر معانيها إذا أطلقت.
و كيف كان فظاهر الآية يدلّ على أن هذا النوع قد مرّ عليهم في حياتهم زمان كانوا على الاتّحاد والاتفاق، و على السذاجة و البساطة، لا اختلاف بينهم بالمشاجرة و المدافعة في أمور الحياة، و لا اختلاف في المذاهب و الآراء، و الدليل على نفي الاختلاف قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فقد رتّب بعثة الأنبياء وحكم الكتاب في مورد الاختلاف على كونهم أمّة واحدة فالاختلاف في أمور الحياة ناش بعد الاتّحاد و الوحدة، و الدليل على نفي الاختلاف الثاني قوله تعالى: ﴿وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ فالاختلاف في الدين إنما نشأ من قبل حملة الكتاب بعد إنزاله بالبغي.
و هذا هو الذي يساعد عليه الاعتبار، فإنّا نشاهد النوع الإنساني لا يزال يرقى في العلم و الفكر، ويتقدّم في طريق المعرفة و الثقافة، عامًا بعد عام، و جيلاً بعد جيل، و بذلك يستحكم أركان اجتماعه يومًا بعد يوم، و يقوم على رفع دقائق الاحتياج، و المقاومة قبال مزاحمات الطبيعة، والاستفادة من مزايا الحياة، و كلّما رجعنا في ذلك القهقرى وجدناه أقلّ عرفانًا برموز الحياة، وأسرار الطبيعة، و ينتهي بنا هذا السلوك إلى الإنسان الأوّلي الذي لا يوجد عنده إلا النزر القليل من المعرفة بشؤون الحياة و حدود العيش، كأنّهم ليس عندهم إلا البديهيّات و يسير من النظريّات الفكريّة التي تهيّئ لهم وسائل البقاء بأبسط ما يكون، كالتغذّي بالنبات أو شيء من الصيد و الإيواء إلى الكهوف والدفاع بالحجارة و الأخشاب و نحو ذلك، فهذا حال الإنسان في أقدم عهوده، و من المعلوم أنّ قومًا حالهم هذا الحال لا يظهر فيهم الاختلاف ظهورًا يعتدّ به، و لا يبدو فيهم الفساد بُدوًّا مؤثّرًا، كالقطيع من الغنم لا همّ لأفراده إلا الاهتداء لبعض ما اهتدى إليه بعض آخر، و التجمّع في المسكن و المعلف و المشرب.
- سورة النحل، الآية ۱٢۰.
- سورة يوسف، الآية ٤٥.
- سورة هود، الآية ۸.
- سورة المؤمنون، الآية ٥٢.
- سورة الأنبياء، الآية ٩٢.
