
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
الفوارق بين التشريع الدينيّ والوضعي
كيف عالج الله تعالى مشكلة النزاع في المجتمع الإنسانيّ؟ وما الفارق بين التشريعات الإلهيّة والوضعيّة في ذلك؟ وهل صحيح أنّ الدين قائم على الجهل والتقليد ومحاربة العلم؟ وما الفرق بين النزاع الاجتماعيّ والنزاع الدينيّ؟ وهل للإنسان حياة اجتماعيّة بعد الدنيا؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
4فقال قائل منهم: عليكم بالاشتراك في الانتفاع من هذه الأعراض۱ و الأمتعة، و التمتّع على حسب ما لكلّ من الوزن الاجتماعي، فليس إلا هذا المنزل و المتخلّف عن ذلك يؤخذ بالقوّة و السياسة.٢
و قال قائل منهم: ينبغي أن تضعوا القانون المصلح لهذا الاختلاف على أساس الشخصيّات الموجودة [الذي] جئتم بها من بلدكم الذي خرجتم منه، فيتأدّب كلّ بما له من الشخصيّة الخلقيّة، ويأخذ بالرحمة لرفقائه، و العطوفة و الشهامة و الفضيلة، ثمّ تشتركوا مع ذلك في الانتفاع من هذه الأمتعة الموجودة، فليست إلا لكم و لمنزلكم هذا.
و قد أخطأ القائلان جميعًا، و سَهَيَا عن أنّ القافلة جميعًا على جناح سفر، و من الواجب على المسافر أن يراعي في جميع أحواله حال وطنه و حال غاية سفره التي يريدها فلو نسي شيئًا من ذلك لم يكن يستقبله إلا الضلال و الغيّ و الهلاك.
و القائل المصيب بينهم هو من يقول: تمتّعوا من هذه الأمتعة على حسب ما يكفيكم لهذه الليلة، وخذوا من ذلك زادًا لما هو أمامكم من الطريق، و ما أريدَ منكم في وطنكم، و ما تريدونه لمقصدكم.
اختصاص التشريع الديني باستناده إلى العلم بحقيقة الإنسان والوجود
و لذلك شرَع الله سبحانه ما شرَعه من الشرائع و القوانين واضعًا ذلك على أساس التوحيد والاعتقاد والأخلاق و الأفعال، و بعبارة أخرى وضعُ التشريع مبنيٌّ على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم، و أنّهم يجب أن يسلكوا في هذه الدنيا حياة تنفعهم في غد، ويعملوا في العاجل ما يعيشون به في الآجل.
فالتشريع الدينيّ و التقنين الإلهيّ هو الذي بني على العلم فقط دون غيره، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾٣، و قال تعالى في هذه الآية المبحوث عنها: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية، فقارن بعثة الأنبياء بالتبشير و الإنذار بإنزال الكتاب المشتمل على الأحكام والشرائع الرافعة لاختلافهم.
- أي الأغراض. (م)
- وهذا مثال للدولة الاستبداديّة الديكتاتوريّة. (م)
- يوسف، الآية ٤۰.
