
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
خصائص الإنسان ونشأة المجتمع والدين
ما هي نظرة القرآن إلى الإنسان والمجتمع والدين؟ ما هي خصائص الإنسان وما هي علومه؟ وكيف يستفيد منها في تحقيق غاياته؟ كيف نشأ المجتمع الإنسانيّ وما معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع؟ ما الغاية الاجتماعيّة للنبوّة وكيف تحلّ مشاكل المجتمع؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
5انقسام العلوم إلى نظريّ حقيقيّ وعمليّ اعتباري
ثمّ إذا كرّرت النظر في هذه العلوم و الإدراكات وجدت شطرًا منها لا يصلح لأن يتوسّط بين الإنسان وبين أفعاله الإراديّة كمفاهيم الأرض و السماء و الماء و الهواء و الإنسان و الفرس و نحو ذلك من التصوّرات، و كمعاني قولنا: الأربعة زوج، و الماء جسم سيّال و التفّاح أحد الثمرات، وغير ذلك من التصديقات، و هي علوم و إدراكات تحقّقت عندنا من الفعل و الانفعال الحاصل بين المادّة الخارجيّة وبين حواسّنا و أدواتنا الإدراكيّة، و نظيرها علمنا الحاصل لنا من مشاهدة نفوسنا وحضورها لدينا (ما نحكي عنه بلفظ أنا)، و الكليّات الأخر المعقولة، فهذه العلوم و الإدراكات لا يوجب حصولها لنا تحقّق إرادة و لا صدور فعل، بل إنما تحكي عن الخارج حكاية.
و هناك شطر آخر بالعكس من الشطر السابق كقولنا: إن هناك حسنًا و قبحًا و ما ينبغي أن يفعل وما يجب أن يترك، و الخير يجب رعايته، و العدل حسن، و الظلم قبيح و مثل مفاهيم الرئاسة والمرؤوسيّة، و العبديّة و المولويّة فهذه سلسلة من الأفكار و الإدراكات لا همّ لنا إلا أن نشتغل بها و نستعملها و لا يتمّ فعل من الأفعال الإراديّة إلا بتوسيطها و التوسّل بها لاقتناء الكمال و حيازة مزايا الحياة.
و هي مع ذلك لا تحكي عن أمور خارجيّة ثابتة في الخارج مستقلّة عنّا و عن أفهامنا كما كان الأمر كذلك في القسم الأول، فهي علوم و إدراكات غير خارجة عن محوطة العمل و لا حاصلةٌ فينا عن تأثير العوامل الخارجيّة، بل هي مما هيأناه نحن و أُلهمناه من قبل إحساسات باطنيّة حصلت فينا من جهة اقتضاء قوانا الفعّالة، و جهازاتنا العاملة للفعل و العمل، فقوانا الغاذية أو المولّدة للمثل بنزوعها نحو العمل، و نفورها عما لا يلائمها توجب حدوث صور من الإحساسات: كالحبّ والبغض، و الشوق والميل و الرغبة، ثمّ هذه الصور الإحساسيّة تبعثنا إلى اعتبار هذه العلوم والإدراكات من معنى الحسن و القبح، و ينبغي و لا ينبغي، و يجب و يجوز، إلى غير ذلك، ثم بتوسطها بيننا و بين المادة الخارجيّة وفعلنا المتعلّق بها يتمّ لنا الأمر.
