
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
خصائص الإنسان ونشأة المجتمع والدين
ما هي نظرة القرآن إلى الإنسان والمجتمع والدين؟ ما هي خصائص الإنسان وما هي علومه؟ وكيف يستفيد منها في تحقيق غاياته؟ كيف نشأ المجتمع الإنسانيّ وما معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع؟ ما الغاية الاجتماعيّة للنبوّة وكيف تحلّ مشاكل المجتمع؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
7و بذلك يأخذ الإنسان أيضًا في التصرّف في النبات بأنواع التصرّف، فيستخدم أنواع النبات بالتصرّف فيها في طريق الغذاء و اللباس و السكنى و غير ذلك، و بذلك يستخدم أيضا أنواع الحيوان في سبيل منافع حياته، فينتفع من لحمها و دمها و جلدها و شعرها و وبرها و قرنها و روثها و لبنها و نتاجها وجميع أفعالها.
مبدأ وجوب الاستخدام ونشوء المجتمع الإنسانيّ
و لا يقتصر على سائر الحيوان دون أن يستخدم سائر أفراد نوعه من الآدميين، فيستخدمها كلّ استخدام ممكن، و يتصرّف في وجودها و أفعالها بما يتيسّر له من التصرّف، كلّ ذلك مما لا ريب فيه.
غير أنّ الإنسان لما وجد سائر الأفراد من نوعه، و هم أمثاله، يريدون منه ما يريده منهم، صالَحهم ورضي منهم أن ينتفعوا منه وزان ما ينتفع منهم، و هذا حكمه بوجوب اتخاذ المدنيّة والاجتماع التعاوني، و يلزمه الحكم بلزوم استقرار الاجتماع بنحو ينال كلّ ذي حقّ حقّه، و يتعادل النسب والروابط، و هو العدل الاجتماعي.
اضطرار الإنسان إلى المجتمع والعدالة ومخالفاته وظلمه
فهذا الحكم ـ أعني حكمه بالاجتماع المدني و العدل الاجتماعيّ ـ إنما هو حكم دعا إليه الاضطرار، ولولا الاضطرار المذكور لم يقض به الإنسان أبدًا، و هذا معنى ما يقال إنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، و إنّه يحكم بالعدل الاجتماعي، فإن ذلك أمر ولّده حكم الاستخدام المذكور اضطرارًا على ما مرّ بيانه، ولذلك كلّما قوي إنسان على آخر ضعف حكمُ الاجتماع التعاونيّ وحكمُ العدلِ الاجتماعيّ أثرًا؛ فلا يراعيه القويّ في حقّ الضعيف، و نحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم القويّة، و على ذلك جرى التاريخ أيضًا إلى هذا اليوم الذي يدعى أنّه عصر الحضارة و الحريّة.
و هو الذي يستفاد من كلامه تعالى كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾۱ و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ٢، و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٣، و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾٤.
و لو كان العدل الاجتماعي مما يقتضيه طباع الإنسان اقتضاء أوّليًّا لكان الغالب على الاجتماعات في شؤونها هو العدل، و حسن تشريك المساعي، و مراعاة التساوي، مع أنّ المشهود دائمًا خلافُ ذلك، وإعمالُ القدرة و الغلبة و تحميلُ القويِّ العزيزِ مطالبَه الضعيفَ، و استذلالُ الغالب للمغلوب واستعبادهُ في طريق مقاصده و مطامعه.٥
- سورة الأحزاب، الآية ۷٢.
- سورة المعارج، الآية ۱٩.
- سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
- سورة العلق، الآية ۷.
- تفسير الميزان، ج٢، ص: ۱۱٢ ـ ۱۱۸.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
