
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
خصائص الإنسان ونشأة المجتمع والدين
ما هي نظرة القرآن إلى الإنسان والمجتمع والدين؟ ما هي خصائص الإنسان وما هي علومه؟ وكيف يستفيد منها في تحقيق غاياته؟ كيف نشأ المجتمع الإنسانيّ وما معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع؟ ما الغاية الاجتماعيّة للنبوّة وكيف تحلّ مشاكل المجتمع؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
4شعوره الحقيقي و ارتباطه بالأشياء
و قد خلق الله سبحانه هذا النوع، و أودع فيه الشعور، و ركّب فيه السمع و البصر و الفؤاد ففيه قوّة الإدراك و الفكر، بها يستحضر ما هو ظاهر عنده من الحوادث و ما هو موجود في الحال و ما كان وما سيكون و يؤول إليه أمر الحدوث و الوقوع، فله إحاطة ما بجميع الحوادث، قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ:﴾۱، و قال تعالى: ﴿وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ:﴾٢، و قال تعالى ﴿وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾٣.
و قد اختار تعالى لهذا النوع سنخ وجود يقبل الارتباط بكلّ شيء، و يستطيع الانتفاع من كلّ أمر، أعمّ من الاتصال أو التوسّل به إلى غيره بجعله آلة و أداة للاستفادة من غيره، كما نشاهده من عجيب احتيالاته الصناعيّة، و سلوكه في مسالكه الفكريّة، قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾٤، وقال تعالى: ﴿وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾٥، إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بكون الأشياء مسخّرة للإنسان.٦
علومه الاعتباريّة العمليّة والفرق بينها وبين العلوم الحقيقيّة
و أنتجت هاتان العنايتان: أعني قوّة الفكر و الإدراك و رابطة التسخير عناية ثالثة عجيبة و هي أن يهيّئ لنفسه علومًا و إدراكات يعتبرها اعتبارًا للورود في مرحلة التصرّف في الأشياء و فعليّة التأثير والفعل في الموجودات الخارجة عنه للانتفاع بذلك في حفظ وجوده و بقائه.
كثرة علوم الإنسان ومنشؤها
توضيح ذلك: أنّك إذا خلّيت ذهنك و أقبلت به على الإنسان، هذا الموجود الأرضيّ الفعّال بالفكر والإرادة، و اعتبرت نفسك كأنّك أوّل ما تشاهده و تُقبل عليه، وجدت الفرد الواحد منه أنّه في أفعاله الحيويّة يوسّط إدراكات و أفكار جمّة غير محصورة يكاد يدهش من كثرتها و اتساع أطرافها وتشتّت جهاتها العقلُ، و هي علوم كانت العوامل في حصولها و اجتماعها و تجزّيها و تركّبها الحواسّ الظاهرة والباطنة من الإنسان، أو تصرّف القوّة الفكريّة فيها تصرّفًا ابتدائيًّا أو تصرّفًا بعد تصرّف، وهذا أمر واضح يجده كلّ إنسان من نفسه و من غيره لا يحتاج في ذلك إلى أزيد من تنبيه و إيقاظ.
- سورة العلق، الآية ٥.
- سورة النحل، الآية ۷۸.
- سورة البقرة، الآية ٣۱.
- سورة البقرة، الآية ٢٩.
- سورة الجاثية، الآية ۱٣.
- مثل الآيات التالية: ﴿اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ * وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ﴾ (سورة إبراهيم الآيتان ٣٢ ـ ٣٣)
﴿وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (سورة النحل الآية ۱٢) (م)
