
حقيقة الغدير وأعماله الباطنيّة
عبادة بلا ولاية فعل بلا روح
ما حقيقة عيد الغدير ولماذا يفوق سائر الأعياد؟ وما هي الأعمال النفسيّة والباطنيّة والمعنويّة فيه؟ ولماذا كانت الولاية شرطًا لقبول الأعمال؟ وما معنى إكمال الدين وإتمام النعمة فيه؟ ولماذا لا يقوم مقام النبيّ صلّى الله عليه وآله إلا عليّ عليه السلام؟ تجيب هذه المقالة المستفادة من محاضرات سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه عن ذلك بالاستفادة من الأدلّة القرآنيّة والأحاديث الشريفة والتحليل العقليّ.
حقيقة الغدير وأعماله الباطنيّة
8و مع ذلك فقد بقي النبي لمدّة ثلاثة وعشرين عاماً بين الناس، إلاّ أنّ الله تعالى لم يقل: {اليوم أكملت لكم دينكم}، فهل أضاف أمير المؤمنين يوم الغدير شيئاً على الدين؟ فهل أضاف حكم الصلاة؟ كلا بل الصلاة كانت مشرعة قبل ذلك. هل أضاف حكم الحج أو غير فيه، هل غيّر حكم الزكاة؟ ما الذي حصل يوم الغدير؟ ماذا قال أمير المؤمنين في ذلك اليوم؟ لم يقل شيئاً، بل الذي حصل هو أنّ النبي أتى وأخذ يده وقال: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" ، فكل من كنت مولاه وأقرب إليه من نفسه .. يعني أن النبي بما له من الاختيار بالنسبة إلينا، وبما له من التصرف فينا بما لا نمتلكه نحن بحقّ أنفسنا ....۱
الآن يأتي الرسول ويقول هذه الأولوية التي كانت لي عليكم والتي ستبقى إلى يوم القيامة دون أن تنقـضي بموتي .. هذه الأولوية موجودة عند علي أيضاً، هذه هي المسألة! يعني لا تتوهموا أني راحل عنكم بعد شهرين، إذ سأموت بالسم الذي يدسه لي زوجتاي هاتين .. ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنهما اللتان سمّتا رسول الله .. طبعاً بإدارة وتوجيه من الخارج، لذا نحن نعتقد بأن رسول الله مات شهيداً مسموماً ...
[يريد رسول الله أن يقول لنا: لا تتوهموا أني راحل عنكم بعد شهرين، لأنّ] هذه الولاية والأولوية سوف تبقى، وهنا يقول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم}. وإلاّ فما هو الحكم الذي جاء به أمير المؤمنين ولم يكن قبل ذلك؟ إذ النبي ذكر أحكام الصلاة للجميع قبل ذلك، وكذا أحكام الصوم والخمس والزكاة والحج والجهاد في سبيل الله، نعم بيّن بعضها بشكل مجمل في الروايات، وتم بيانها بشكل مفصل في زمن الأئمة عليهم السلام، وخصوصاً ما ورد في المجاميع الروائية الواردة عن الصادقَين بالذات. فلو فرضنا أن الله تعالى يريد أن يضيف حكمين بعد مائة سنة أو مائة وخمسين سنة، فهل يقول من أجل ذلك: {اليوم أكملت لكم دينكم}، فهل حقيقة الأمر كذلك؟ هل نتصوّر أنّ الله لم يعتبر جميع جهود النبي طوال ثلاثة وعشرين سنة، أما الأحكام التي سيأتي الأئمة ويبيّنوها فهي التي يكمل الدين بها؟! لا شك أن الأمر ليس كذلك. فما هي المسألة التي هي أعظم من التكليف؟ ما هي القضية التي هي أهم من هذه الثلاثة وعشـرين سنة؟ وما هو الشيء الأخطر والأهم والأرجح الذي جعل الله تعالى يهدّد رسوله بالقول: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}؟! إنّ بيان حكمين إضافيّين لا يستدعي تهديداً، إذ مفاد التهديد هو أنه إن لم تفعل هذا الأمر فإن جميع ما قمت به خلال ثلاثة وعشرين عاماً سيذهب هباءً. لماذا هذا التهديد؟ إذ الأحكام الشرعية قد بُيّنت، ومكارم الأخلاق قد عرضت، وسيرته قد كشفها للجميع .. فما الذي بقي حتى يأتي الخطاب الإلهي إليه ويهدّده عبر قوله: {يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ؟! فالله كان قد طلب من النبيّ إبلاغ ولاية الإمام عليه السلام طوال هذه المدّة أكثر من مرّة، وكان النبي يخشى من بيانها مباشرة، وإن كان قد أبلغها بعبارات مختلفة ومسائل أخرى: كقوله: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، و "لولا أن أخاف على أمتي ..."، و "علي كنفسي ..." وغيرها من الروايات، وكان يذكر هذه المسائل بين الأصحاب ويهيّئ بذلك الأرضيّة له، لكنه كان يخشى أن يقول لهم: (لقد نصبت لكم بعدي أمير المؤمنين، وما كان لي من حكم عليكم وأولوية من أنفسكم؛ حيث لا يمكنكم أن ترجحوا إرادتكم على إرادتي، ويجب عليكم شرعاً وعقلاً وتكليفاً أن ترجحوا اختياري وتقدموه على اختياركم وإرادتكم .. فهذا الترجيح والأولوية التي لي تنتقل إلى علي بعدي) ، لم يقل ذلك؛ لأنه يعلم بالأوضاع، وكان يرى الناس ويعرف ميولهم وأهواءهم ويشاهدهم كيف يفكرون، وكان يرى المنافقين .. الذين كانوا ينتظرون أن يحصل للنبي أمرٌ كي يأخذوا بزمام الأمور، كانوا ينتظرون حصول شيء حتى ينقضّوا بعد ارتفاع هذا المانع، ألم تروا الأحزاب السياسية كيف تتعامل؟ ينتظرون هذا كي يموت حتى يأتي الآخر مكانه، أو يحصل لذاك أمر حتى يتاح للآخر الفرصة، ويكون مقبولاً لدى الناس .. في ذلك الوقت كان الأمر كذلك أيضاً [ضحك] .. كانوا يعدّون أموراً و مكائد لهذا وذاك ويكذبون .. ويتحدّثون إلى هذا وذاك ويغيّرون رأي الناس فيه .. حتّى يأتي هذا المتآمر مكانه ضمن جوّ من الإعلام الخاص .. هذه الأمور كانت موجودة في زمن النبي. فهؤلاء كانوا يعدّون أنفسهم كي يحلوا محلّ النبي، ويشيعون حول علي الإشاعات ويلفقون عليه الأقوال: علي لا يصلح لهذا الأمر، علي رجل حرب فقط، وعلي لا يرغب به أحد من الناس، وهكذا .. إنّ هذه الأمور كانت تحصل في زمن النبي... .٢
- رسالة الغدير - عيد الغدير ۱٤٣۲ هـ ص ۱٣
- رسالة الغدير - عيد الغدير ۱٤٣۲ هـ، ص ۱٦
