
حقيقة الغدير وأعماله الباطنيّة
عبادة بلا ولاية فعل بلا روح
ما حقيقة عيد الغدير ولماذا يفوق سائر الأعياد؟ وما هي الأعمال النفسيّة والباطنيّة والمعنويّة فيه؟ ولماذا كانت الولاية شرطًا لقبول الأعمال؟ وما معنى إكمال الدين وإتمام النعمة فيه؟ ولماذا لا يقوم مقام النبيّ صلّى الله عليه وآله إلا عليّ عليه السلام؟ تجيب هذه المقالة المستفادة من محاضرات سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه عن ذلك بالاستفادة من الأدلّة القرآنيّة والأحاديث الشريفة والتحليل العقليّ.
حقيقة الغدير وأعماله الباطنيّة
5العلّة في انحصار الولاية في عليّ عليه السلام إشرافه على الباطن
إذن لقد جاء رسول الله وقال: إنّ الحلقة التي تربط الإنسان بالله هي عليّ لا غير، ولن تجدوا هذه الحلقة في سعد بن أبي وقّاص، ولن تجدوها في الزبير، ولن تكون موجودة في طلحة، مع العلم أنّ أولئك كانوا رجالًا جيّدين وكانوا من أصحاب الرأي بين النّاس، بالطّبع كانوا جيّدين في ذلك الوقت، أمّا بعد ذلك فقد ابتعدوا عن أمير المؤمنين واختلف وضعهم، ولكن قبل ذلك كانوا رجالًا جيّدين وقد خاضوا الحروب بثبات وإصرار، ولكنّهم لا يستطيعون القيام بما يقوم به عليّ، وأقصى ما يمكنهم فعله هو أن يقوموا بالعدل الذي يقتضيه عقلهم. أمّا [ما يقوم به عليّ] فيتطلّب عينًا أخرى ليستطيع العمل بها طبقًا لرضا الله وطبقًا لمصالح النّاس، وأولئك لا يمتلكون تلك العين، فتلك العين لا توجد إلا عند واحد فقط، وإن صلُحت تلك العين (عين الباطن) فهذه العين الأخرى [العين الظاهريّة] ستبصر بشكل صحيح، فلن ترى الواحد اثنين، ولن ترى الاثنين واحدًا، ولن يكون فيها انحراف، ولن ترى الأسود أبيض، وأمّا إذا لم تصلح تلك العين فسوف تفسد هذه العين كذلك، وسيحصل الاشتباه في المصداق.۱
عيد الغدير عيد التحرّر من الأغلال
وهذا النبيّ يحلّ الأغلال والسلاسل التي تقيّد الأيدي والأرجل، من العباد والأهواء والكثرات والدنيا والشهوات والمواقع وكلّ ما يمنع من عبور الدنيا الدنيّة، ومن الوصول إلى عالم التجرّد، فيحلّها جميعاً ويجعلهم في راحة منها. هذه هي خصوصيّة النبي، فالنبيّ جاء لهذا الغرض، والنبيّ جاء من أجل هذه الحقيقة، جاء من أجل هذا الهدف. لم تكن المسائل التي جاء بها النبيّ للناس مختصّة بإقامة الصلاة، ولم يكن المنهاج الذي وضعه لهم مقتصراً على إقامة صلاة الظهر أربع ركعات؛ لأنّ عمر أيضاً كان يصلّي تلك الصلاة، ويزيد أيضاً كان يصلّيها، وعمر بن سعد كان أيضاً في ليلة العاشر يصلّي نفس هذه الصلاة، وعندما قطّع ابن رسول الله وأولاده، صلّى على أصحابه الذين كانوا قد قتلوا ووصلوا إلى الجحيم صلاة الميّت! عمر بن سعد نفسه صلّى صلاة الميّت! نعم، هؤلاء كانوا يصلّون هذه الصلاة، وكانوا أيضاً يصومون، وكانوا أيضاً يؤدّون الواجبات، وكانوا يتركون محرّمات كثيرة: كشرب الخمر والقمار والشطرنج والموسيقى والسفور؛ فإنّهم كثيراً ما كانوا لا يرتكبون هذه الأمور. ولكن ما هي مشكلتهم؟ مشكلتهم هي أنّهم لم يريدوا أن يحلّ رسول الله الأغلال والسلاسل عن أيديهم وأقدامهم، هذه هي مشكلتهم، يعني: يريدون الرسالة بلا مضمون، والبعثة بلا غاية! لم يأتوا ويجعلوا أنفسهم مسلّمة له ومطيعة، ولم يقولوا: الآن تعال وحلّ لنا الغلّ والسلسلة. النبيّ لم تكن له قرابة مع أحد، بل كان يتحرّك على أساس الضوابط. لذا جاءوا وقالوا: يا رسول الله، نحن نقبل أن نصلّي، ولكنّا لا نقبل ولاية صهرك وابن عمّك وخليفتك. حسناً ما فائدة ذلك؟ ما نتيجة ذلك؟ فلتضرب تلك الصلاة برأسك! يا رسول الله، نقبل أن نصوم الصوم الذي جئت به، ولكنّنا لا نقبل المسألة الأُخرى التي هي أصل، والتي هي قاعدة، والتي هي الولاية والتسليم. نحن نصلّي الصلاة التي نختارها نحن لا أنت! نصوم الصوم الذي نحن نشخّصه لا أنت! نحجّ الحجّ الذي نشخّصه نحن لا أنت! ما فائدة ذلك؟ ما نتيجة ذلك؟ أي أثر يترتّب على ذلك؟
- أبديّة واقعة الغدير - عيد الغدير ۱٤٣٩ هـ
