
تجلّيات التوحيد في شهر ذي الحجّة وأسرار أربعين موسى عليه السلام
وصايا العرفاء وأعمال السالكين في الأيّام المباركة من ذي الحجّة
ما هي الأهميّة الروحيّة لشهر ذي الحجّة، وخصوصًا عشره الأوائل؟ كيف ترتبط هذه الأيّام بأربعينيّة النبيّ موسى عليه السلام وما هي حالة الجذبة التي عاشها خلالها؟ ما هي أبرز الأعمال التي يوصي بها العرفاء وأولياء الله في هذه الفترة؟ وما هي المعاني العرفانيّة العميقة الكامنة وراء أذكار النبيّ موسى عليه السلام؟ تجيب عن ذلك هذه المحاضرة المستقاة من تراث سماحة آية الله السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ ونجله آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليهما. المصدر: كتاب معرفة المعاد للعلاّمة الطهراني، محاضرات عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ، نور ملكوت الحجّ الفصل الخامس إعداد الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي (فارسي).
تجلّيات التوحيد في شهر ذي الحجّة وأسرار أربعين موسى عليه السلام
3... هذا الأمر كان متعلّقًا بموسى عليه السلام، حيث أوجد الله له في تلك المدّة حالة جذبة بحيث لم تشعر النفس والجسد خلالها بالحاجة إلى النوم أو الجوع أو العطش! وليس هذا بمستبعد أبدًا ولا إشكال فيه. فعندما يتمكّن الإنسان من السيطرة على قوانين المادّة والتغلّب عليها بواسطة القوى الروحيّة، فإنّ هذا البدن يخضع لتسخير النفس ولا يطرأ عليه أيّ تغيير أو تحوّل يُذكر. هذا جانب من القضيّة. وطبعًا، توجد في بعض الحالات الأخرى ما يشبه هذه الحال ويؤثّر على البدن، ولكن لا علاقة له بهذا؛ فتلك أمور أخرى.
فكان موسى عليه السلام في هذه الحال على هذا النحو، كما ورد عندنا: «مَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا نَامَ»؛ أي إنّه عليه السلام خلال هذه المدّة لم يأكل شيئًا ولم يشرب جرعة ماء ولم يأخذه النوم.
... وخلاصة القول، إنّ موسى عليه السلام في هذه الأربعين لم يأكل ولم يشرب ولم ينم؛ بل كان طوال المدّة في حالة جذبة دائمًا. من تلك الجذبات التي لو قسمها الله لنا وأعطانا شيئًا يسيرًا منها، لتركنا العالم كلّه بما فيه ومن فيه! نترك كلّ ما هو كائن وكلّ من هو كائن، كليهما جانبًا؛ والإنسان حينئذٍ لا يستطيع أبدًا أن يلتفت، وإذا أراد أن يوجّه ذهنه وفكره إلى مسائل أخرى، أصابه الغثيان!
... كان موسى عليه السلام في مثل هذا الوضع. ثم يقول الله تعالى: {وَأَتمَمنَٰهَا بِعَشر}۱.
لقد أضفنا إلى الوعد الذي قطعناه لموسى عشرة أيّام أخرى. فقد كان الوعد الأوّل ثلاثين يومًا؛ وإلّا لقال الله تعالى: {ووَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}! بينما يقول: لم نواعده أربعين يومًا! بل واعدناه شهرًا واحدًا، تنتهي فيه القضيّة في تلك الثلاثين يومًا، ويُفتح الباب لموسى عليه السلام، ويتجاوز العقبات والحُجُب، ويعبر عوالم المعنى، ويتحقّق له في هذا الشهر انكشاف الحقائق الربوبيّة وأسرار العالم الربوبي. ولكن لمّا تمّ الشهر، رأينا أنّ هناك مجالًا لعشرة أيّام أخرى لنضيف إليها بعض التحسين والتكميل! وكان لا بدّ لحقيقة التوحيد تلك أن تستمرّ أيضًا حتّى تبلغ الأربعين يومًا.
- سورة الأعراف (۷) الآية ۱٤٢.
