
نص حديث العنوان البصريّ
البرنامج السلوكيّ الأهمّ لدى السيّد القاضي
كان عارف القرن المرحوم القاضيّ قد أصدر تعليماته لتلامذته و مريديه في السير و السلوك إلى الله، أن يكتبوا رواية عنوان البصريّ و يعملوا بها من أجل تخطّى النفس الأمّارة و الرغبات المادّيّة إنّ العمل وفق مضمون هذه الرواية كان أمراً أساسيّاً و مهمّاً. و كان يقول: ينبغي أن تحتفظوا بها في جيوبكم و تطالعوها مرّة أو مرّتين كلّ أسبوع. فهذه الرواية تحظى بالأهمّيّة الكبيرة وتحوي مطالب شاملة و جامعة في بيان كيفيّة المعاشرة و الخلوة، و كيفيّة و مقدار تناول الغذاء، و كيفيّة تحصيل العلم، و كيفيّة الحلم و مقدار الصبر و الاستقامة و تحمّل الشدائد أمام أقوال الطاعنين؛ و أخيراً مقام العبوديّة و التسليم و الرضا و الوصول إلى أعلى ذروة العرفان وقِمّة التوحيد.
نص حديث العنوان البصريّ
3فَقَالَ لِي يَوْماً:
«إنِّي رَجُلٌ مَطْلُوبٌ وَ مَعَ ذَلِكَ لِي أ وْرَادٌ في كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ آنَاءِ اللَيْلِ وَ النَّهَارِ، فَلَا تَشْغَلْنِي عَنْ وِرْدِي؛ وَ خُذْ عَنْ مَالِكٍ وَ اخْتَلِفْ إلَيْهِ كَمَا كُنْتَ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ»
فَاغْتَمَمْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَ قُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ تَفَرَّسَ في خَيْراً لَمَا زَجَرَنِي عَنِ الاخْتِلَافِ إلَيْهِ وَ الأخْذِ عَنْهُ.
فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ الرَّسُولِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْتُ عَلَيهِ ثُمَّ رَجَعْتُ مِنَ الغَدِ إلى الرَّوْضَةِ ۱ وَ صلّيتُ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ وَ قُلْتُ: أسْألُكَ يَا اللهُ يَا اللهُ! أ نْ تَعْطِفَ عَلَيّ قَلْبَ جَعْفَرٍ وَ تَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِهِ مَا أهْتَدِي بِهِ إلى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ!
وَ رَجَعْتُ إلى دَارِي مُغْتَمَّاً وَ لَمْ أخْتَلِفْ إلى مَالِكِ بْنِ أنَسٍ لِمَا اشْرِبَ قَلْبِي مِنْ حُبِّ جَعْفَرٍ. فَمَا خَرَجْتُ مِنْ دَارِي إلَّا إلى الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ حتّى عِيلَ صَبْرِي.
فَلَمَّا ضَاقَ صَدْرِي تَنَعَّلْتُ وَ تَرَدَّيْتُ وَ قَصَدْتُ جَعْفَراً وَ كَانَ بَعْدَ مَا صلّى تُ العَصْرَ. فَلَمَّا حَضَرْتُ بَابَ دَارِهِ اسْتَأذَنْتُ عَلَيهِ فَخَرَجَ خَادِمٌ لَهُ فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟! فَقُلْتُ: السَّلَامُ على الشَّرِيفِ!
فَقَالَ: هُوَ قَائِمٌ في مُصَلَّاهُ. فَجَلَسْتُ بِحِذاءِ بَابِهِ، فَمَا لَبِثْتُ إلَّا يَسِيراً. إ ذْ خَرَجَ خَادِمٌ فَقَالَ: ا دْخُلْ على بَرَكَةِ اللهِ. فَدَخَلْتُ وَ سَلَّمْتُ عَلَيهِ. فَرَدَّ السَّلَامَ وَ قَالَ:
«اجْلِسْ غَفَرَ اللهُ لَكَ»!
فَجَلَسْتُ. فَأطْرَقَ مَلِيَّاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَ قَالَ: «أبُو مَنْ»؟!
قُلْتُ: أبُو عَبْدِ اللهِ!
قَالَ: «ثَبَّتَ اللهُ كُنْيَتَكَ وَ وَفَّقَكَ؛ يَا أبَا عَبْدِ اللهِ! مَا مَسْألَتُكَ»؟!
فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي مِنْ زِيَارَتِهِ وَ التَّسْلِيمِ غَيْرُ هَذَا الدُّعَاءِ لَكَانَ كَثِيراً. ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ: مَا مَسْألَتُكَ؟!
فَقُلْتُ: سَألْتُ اللهَ أ نْ يَعْطِفَ قَلْبَكَ عَلَيّ وَ يَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِكَ؛ وَ أ رْجُو أ نَّ اللهَ تعالى أجَابَنِي في الشَّرِيفِ مَا سَألْتُهُ.
فَقَالَ: «يَا أبَا عَبْدِ اللهِ! لَيْسَ العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، إنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ في قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللهُ تَبَارَكَ وَ تعالى أ نْ يَهْدِيَهُ؛ فَإنْ أرَدْتَ العِلْمَ فَاطْلُبْ أوَّلًا في نَفْسِكَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وَ اطْلُبِ العِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَ اسْتَفْهِمِ اللهَ يُفْهِمْكَ»!
- المقصود بالروضة: الموضع الواقع بين القبر المطهّر للرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و منبره. روى الكلينيّ في «فروع الكافي»، ج ٤، ص ٥٥٣ و ٥٥٤، كتاب الحجّ، باب المنبر و الروضة و مقام النبيّ، طبعة دار الكتب الإسلاميّة، طهران، سنة ۱٣٩۱: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَ مِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ». و قد أورد هذه الرواية المحقّق الفيض الكاشانيّ في «المحجّة البيضاء» ج ٢، ص ۱۸۷، طبعة مكتبة الصدوق، من كتاب «أسرار الحجّ» بلفظ: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَ مِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ».
