
الذكرُ المحفوظ
بحثٌ استدلاليّ شامل حول صيانة القرآن الكريم من التحريف
يقدّم العلامة الطباطبائي في هذا البحث القيّم دراسةً علميّةً شاملة لإثبات سلامة القرآن الكريم من التحريف، وأنّه محفوظٌ بحفظ الله من كلّ زيادةٍ أو نقيصةٍ أو تبديل، ويثبت بالأدلّة القاطعة أنّ كتاب الله الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه القرآن الذي نزل على النبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وفي هذا الإطار يطرح قدّس سرّه الدليل الذي يرى أنّه أقوى الأدلّة على سلامة القرآن من التحريف، ثمّ يذكر سائر الأدلّة مع تقييمها. ثمّ أنّه في القسم الأخير من البحث يتعرّض لردّ الشبهات والأدلّة التي تشبّث بها القائلون بالتحريف من الفريقين، ويختم البحث بدراسة ما وصلنا من التاريخ حول كيفيّة جمع القرآن في زمنَي الخليفتين الأوّل والثالث، معلّقًا عليها وناقدًا إيّاها، مبيّنًا الصحيح من السقيم فيها.
الذكرُ المحفوظ
9الفصل ٣ - كلام مثبتي التحريف و جوابه
ذهب جماعةٌ من محدّثي الشيعة والحشوية، وجماعةٌ من محدّثي أهل السنة، إلى وقوع التحريف بمعنى النقص والتغيير في اللفظ أو الترتيب، دون الزيادة، فلم يذهب إليها أحدٌ من المسلمين كما قيل.
واحتجّوا على نفي الزيادة بالإجماع، وعلى وقوع النقص والتغيير بوجوهٍ كثيرة:
الوجوه التي تمسك بها القائلون بالتحريف
أحدها: الأخبار الكثيرة المرويّة من طرق الشيعة وأهل السنّة، الدالّة على سقوط بعض السور والآيات، وكذا الجمل وأجزاء الجمل والكلمات والحروف في الجمع الأوّل الذي أُلِّف فيه القرآن في زمن أبي بكر، وكذا في الجمع الثاني الذي كان في زمن عثمان، وكذا التغيير. وهذه رواياتٌ كثيرة، روتها الشيعة في جوامعها المعتبرة وغيرها، وقد ادّعى بعضهم أنّها تبلغ ألفي حديث، وروتها أهل السنّة في صحاحهم، كصحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والنسائي، وأحمد، وسائر الجوامع وكتب التفاسير وغيرها، وقد ذكر الآلوسي في تفسيره أنّها فوق حدّ الإحصاء.
وهذا غير ما يخالف فيه مصحف عبد الله بن مسعود المصحف المعروف، ممّا يزيد على ستين موضعًا، وما يخالف فيه مصحف أُبيّ بن كعب المصحف العثماني، وهو في بضعٍ وثلاثين موضعًا، وما يختلف فيه المصاحف العثمانيّة التي اكتتبها وأرسلها إلى الآفاق، وهي خمسة أو سبعة، أرسلها إلى مكة، وإلى الشام، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وحبس واحدًا بالمدينة، والاختلاف الذي فيما بينها يبلغ خمسةً وأربعين حرفًا، وقيل: بضعًا وخمسين حرفًا.۱
وغير الاختلاف في الترتيب بين المصاحف العثمانية والجمع الأول في زمن أبي بكر، فقد كانت سورة الأنفال في التأليف الأول في المثاني، وسورة براءة في المئين، وهما في الجمع الثاني موضوعتان في الطوال، على ما ستجيء روايته.
وغير الاختلاف في ترتيب السور الموجود بين مصحفي عبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب، على ما وردت به الرواية، وبين المصاحف العثمانية. وغير الاختلافات القرائية الشاذة التي رويت عن الصحابة والتابعين، فربما بلغ عدد المجموع الألف أو زاد عليه.
الوجه الثاني: أن العقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقًا، متشتتًا، منتشرًا عند الناس، وتصدى لجمعه غير المعصوم، يمتنع عادةً أن يكون جمعه كاملًا موافقًا للواقع.
- ذكره ابن طاووس في سعد السعود.
