
الذكرُ المحفوظ
بحثٌ استدلاليّ شامل حول صيانة القرآن الكريم من التحريف
يقدّم العلامة الطباطبائي في هذا البحث القيّم دراسةً علميّةً شاملة لإثبات سلامة القرآن الكريم من التحريف، وأنّه محفوظٌ بحفظ الله من كلّ زيادةٍ أو نقيصةٍ أو تبديل، ويثبت بالأدلّة القاطعة أنّ كتاب الله الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه القرآن الذي نزل على النبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وفي هذا الإطار يطرح قدّس سرّه الدليل الذي يرى أنّه أقوى الأدلّة على سلامة القرآن من التحريف، ثمّ يذكر سائر الأدلّة مع تقييمها. ثمّ أنّه في القسم الأخير من البحث يتعرّض لردّ الشبهات والأدلّة التي تشبّث بها القائلون بالتحريف من الفريقين، ويختم البحث بدراسة ما وصلنا من التاريخ حول كيفيّة جمع القرآن في زمنَي الخليفتين الأوّل والثالث، معلّقًا عليها وناقدًا إيّاها، مبيّنًا الصحيح من السقيم فيها.
الذكرُ المحفوظ
11الجواب عن جميع الوجوه المتقدمة
والجواب عن استدلالهم بإجماع الأمة على نفي تحريف القرآن بالزيادة بأنّها حُجّةٌ مدخولةٌ لكونها دوريّةً.
بيان ذلك: أنّ الإجماع ليس في نفسه حُجّةً عقليّةً يقينيّةً، بل هو عند القائلين باعتباره حُجّةً شرعيّةً، لو أفاد شيئًا من الاعتقاد فإنّما يُفيد الظنّ، سواءٌ في ذلك مُحصَّله ومَنقوله، على خلاف ما يزعمه كثيرٌ منهم أنّ الإجماع المُحصَّل مُفيدٌ للقطع، وذلك أنّ الذي يُفيده الإجماع من الاعتقاد لا يزيد على مجموع الاعتقادات التي تُفيدها آحاد الأقوال، والواحد من الأقوال المُتوافقة لا يُفيد إلّا الظنَّ بإصابة الواقع، وانضمام القول الثاني الذي يُوافقه إليه إنّما يُفيد قوّةَ الظنِّ دون القطع، لأنّ القطع اعتقادٌ خاصٌّ بسيطٌ مُغايرٌ للظنّ، وليس بالمُركَّب من عدّة ظنونٍ.
وهكذا كلّما انضمّ قولٌ إلى قولٍ وتراكمت الأقوال المُتوافقة زاد الظنُّ قوّةً، وتراكمت الظنونُ واقتربت من القطع من غير أن تنقلب إليه كما تقدّم. هذا في المُحصَّل من الإجماع، وهو الذي نُحصِّله بتتبّع جميع الأقوال والحصول على كلِّ قولٍ قولًا، وأمّا المنقول منه الذي ينقله الواحد والاثنان من أهل العلم والبحث، فالأمر فيه أوضح، فهو كآحاد الروايات، لا يُفيد إلّا الظنَّ إن أفاد شيئًا من الاعتقاد.
فالإجماع حجّةٌ ظنّيةٌ شرعيّةٌ، ودليل اعتبارها عند أهل السنّة مثلًا قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لا تجتمعُ أُمّتي على خطإٍ أو ضلالٍ"، وعند الشيعة دخول قول المعصوم في أقوال المُجمعين، أو كشف أقوالهم عن قوله بوجهٍ.
فحُجّية الإجماع بالجملة مُتوقّفةٌ على صحّة النبوّة، وذلك ظاهرٌ، وصحّة النبوّة اليوم مُتوقّفةٌ على سلامة القرآن من التحريف المُستوجب لزوال صفات القرآن الكريمة عنه، كالهداية، وفصلِ القول، وخاصّةِ الإعجاز، فإنّه لا دليلَ حيًّا خالدًا على خصوص نبوّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم غيرُ القرآن الكريم بكونه آيةً مُعجزةً. ومع احتمال التحريف بزيادةٍ أو نقيصةٍ أو أيّ تغييرٍ آخر، لا وُثوقَ بشيءٍ من آياته ومحتوياته أنّه كلامُ الله محضًا، وبذلك تسقط الحُجّةُ وتفسد الآيةُ، ومع سقوط كتاب الله عن الحُجّية يسقطُ الإجماع عن الحُجّية.
ولا ينفع في المقام ما قدّمناه في أوّل الكلام أنّ وجود القرآن المُنزَل على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما بأيدينا من القرآن في الجملة من ضروريّات التاريخ.
