
الذكرُ المحفوظ
بحثٌ استدلاليّ شامل حول صيانة القرآن الكريم من التحريف
يقدّم العلامة الطباطبائي في هذا البحث القيّم دراسةً علميّةً شاملة لإثبات سلامة القرآن الكريم من التحريف، وأنّه محفوظٌ بحفظ الله من كلّ زيادةٍ أو نقيصةٍ أو تبديل، ويثبت بالأدلّة القاطعة أنّ كتاب الله الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه القرآن الذي نزل على النبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وفي هذا الإطار يطرح قدّس سرّه الدليل الذي يرى أنّه أقوى الأدلّة على سلامة القرآن من التحريف، ثمّ يذكر سائر الأدلّة مع تقييمها. ثمّ أنّه في القسم الأخير من البحث يتعرّض لردّ الشبهات والأدلّة التي تشبّث بها القائلون بالتحريف من الفريقين، ويختم البحث بدراسة ما وصلنا من التاريخ حول كيفيّة جمع القرآن في زمنَي الخليفتين الأوّل والثالث، معلّقًا عليها وناقدًا إيّاها، مبيّنًا الصحيح من السقيم فيها.
الذكرُ المحفوظ
17أو أنّ هذه الآيات، وقد دلّت هذه الروايات على بلوغها في الكثرة، كانت منسوخةَ التلاوة، كما ذكره جمعٌ من المفسّرين من أهل السنّة، حفظًا لما ورد في بعض رواياتهم أنّ من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته.
فما معنى إنساء الآية ونسخ تلاوتها؟ أكان ذلك لنسخ العمل بها؟ فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن، كآية الصدقة، وآية نكاح الزانية والزاني، وآية العدّة، وغيرها؟ وهم مع ذلك يُقسّمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة والعمل معًا، ومنسوخ التلاوة دون العمل، كآية الرجم.
أم كان ذلك لكونها غير واجدةٍ لبعض صفات كلام الله، حتى أبطلها الله بإمحاء ذكرها وإذهاب أثرها، فلم تكن من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا مُنزّهةً من الاختلاف، ولا قولًا فصلًا، ولا هاديًا إلى الحقّ وإلى طريقٍ مستقيم، ولا مُعجزةً يُتحدّى بها، ولا، ولا...؟ فما معنى الآيات الكثيرة التي تصف القرآن بأنّه في لوحٍ محفوظ، وأنّه كتابٌ عزيزٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنّه قولٌ فصل، وأنّه هدى، وأنّه نور، وأنّه فرقانٌ بين الحقّ والباطل، وأنّه آيةٌ مُعجزة، وأنّه، وأنّه؟!
فهل يسعُنا أن نقول: إنّ هذه الآيات، على كثرتها وإباء سياقها عن التقييد، مُقيّدةٌ بالبعض، فبعض الكتاب فقط، وهو غير المنسي ومنسوخ التلاوة، لا يأتيه الباطل، وهو القول الفصل، وهو الهدى والنور والفرقان والمعجزة الخالدة؟!
وهل جعلُ الكلامِ منسوخَ التلاوةِ ونِسيًا منسيًّا غيرُ إبطالهِ وإماتتهِ؟! وهل صيرورةُ القولِ النافعِ بحيثُ لا ينفعُ للأبدِ ولا يصلحُ شأنًا ممّا فسدَ غيرُ إلغائِهِ وطَرحِهِ وإهمالِهِ؟! وكيف يُجامعُ ذلك كونَ القرآنِ ذكرًا؟!
فالحقُّ أنّ رواياتِ التحريفِ المرويّةَ من طُرقِ الفريقين، وكذا الرواياتِ المرويّةِ في نسخِ تلاوةِ بعضِ الآياتِ القرآنية، مُخالفةٌ للكتابِ مُخالفةً قطعيّةً.
و الجواب عن الوجه الرابع: أنّ أصل الأخبار القاضية بمماثلة الحوادث الواقعة في هذه الأمة لما وقع في بني إسرائيل مما لا ريب فيه، وهي متظافرة أو متواترة، لكن هذه الروايات لا تدلّ على المماثلة من جميع الجهات، وهو ظاهر، بل الضرورة تدفعه.
