
الذكرُ المحفوظ
بحثٌ استدلاليّ شامل حول صيانة القرآن الكريم من التحريف
يقدّم العلامة الطباطبائي في هذا البحث القيّم دراسةً علميّةً شاملة لإثبات سلامة القرآن الكريم من التحريف، وأنّه محفوظٌ بحفظ الله من كلّ زيادةٍ أو نقيصةٍ أو تبديل، ويثبت بالأدلّة القاطعة أنّ كتاب الله الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه القرآن الذي نزل على النبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وفي هذا الإطار يطرح قدّس سرّه الدليل الذي يرى أنّه أقوى الأدلّة على سلامة القرآن من التحريف، ثمّ يذكر سائر الأدلّة مع تقييمها. ثمّ أنّه في القسم الأخير من البحث يتعرّض لردّ الشبهات والأدلّة التي تشبّث بها القائلون بالتحريف من الفريقين، ويختم البحث بدراسة ما وصلنا من التاريخ حول كيفيّة جمع القرآن في زمنَي الخليفتين الأوّل والثالث، معلّقًا عليها وناقدًا إيّاها، مبيّنًا الصحيح من السقيم فيها.
الذكرُ المحفوظ
15والعجب من هؤلاء المحتجّين بروايات منسوبة إلى الصحابة أو إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام على تحريف كتاب الله سبحانه وإبطال حجّيته، وببطلان حجّة القرآن تذهب النبوّة سدى، والمعارف الدينية لغًى لا أثر لها، وماذا يُغني قولنا: إنّ رجلًا في تاريخ كذا ادّعى النبوّة، وأتى بالقرآن معجزة، أمّا هو فقد مات، وأمّا قرآنه فقد حُرّف، ولم يبق بأيدينا ممّا يؤيّد أمره إلّا أنّ المؤمنين به أجمعوا على صدقه في دعواه، وأنّ القرآن الذي جاء به كان معجزًا دالًّا على نبوّته، والإجماع حجّة لأنّ النبيّ المذكور اعتبر حجّيته، أو لأنّه يكشف مثلًا عن قول أئمّة أهل بيته.
وبالجملة، احتمال الدسّ، وهو قريب جدًّا، مؤيّد بالشواهد والقرائن، يدفع حجّية هذه الروايات ويفسد اعتبارها، فلا يبقى معها لا حجّية شرعية ولا حجّية عقلائية، حتّى ما كان منها صحيح السند، فإنّ صحّة السند وعدالة رجال الطريق إنّما يدفع تعمّدهم الكذب، دون دسّ غيرهم في أصولهم وجوامعهم ما لم يرووه.
وأمّا ما ذكرناه أنّ روايات التحريف تذكر آيات وسورًا لا يشبه نظمها النظم القرآني بوجه، فهو ظاهر لمن راجعها، فإنّه يعثر فيها بشيء كثير من ذلك، كسورتي الخلع والحفد اللتين رُويتا بعدّة من طرق أهل السنّة، فسورة الخلع هي: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك. وسورة الحفد هي: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمتك إنّ عذابك بالكافرين ملحق.
وكذلك ما أورده بعض الروايات من سورة الولاية وغيرها، أقاويل مختلقة، رام واضعها أن يقلّد النظم القرآني، فخرج الكلام عن الأسلوب العربي المألوف، ولم يبلغ النظم الإلهي المعجز، فعاد يستبشعه الطبع وينكره الذوق، ولك أن تراجعها حتّى تشاهد صدق ما ادعيناه، وتقضي بأنّ أكثر المعتنين بهذه السور والآيات المختلقة المجعولة، إنّما دعاهم إلى ذلك التعبّد الشديد بالروايات، والإهمال في عرضها على الكتاب، ولولا ذلك لكفتهم للحكم بأنّها ليست بكلام إلهي نظرة.
و أما ما ذكرنا أن روايات التحريف على تقدير صحة أسنادها مخالفة للكتاب فليس المراد به مجرد مخالفتها لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ و قوله: ﴿وَ أنّه لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ اَلْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآيتان، حتى تكون مخالفةً ظنيّةً، لكون ظهور الألفاظ من الأدلة الظنيّة، بل المراد مخالفتها للدلالة القطعيّة من مجموع القرآن الذي بأيدينا حسب ما قرّرناه في الحُجّة الأولى التي أقمناها لنفي التحريف.
