
هل وحدة الوجود تستلزم القول بالحلول والاتحاد؟
بيان الشبهة و جوابها
من التصوّرات الخاطئة التي يحملها المخالفون لنظرية وحدة الوجود أنّ القول بها يستلزم القول بالاتحاد والحلول. ولكنّ الحقّ أنّ هذه شبهة ناتجة من سوء الفهم لهذه النظرية الراقية، وهذه المقالة تستفيد من كلمات العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه في جواب هذه الشبهة.
هل وحدة الوجود تستلزم القول بالحلول والاتحاد؟
4الحديث العاشر: كلامه عليه السلام في خطبة أخرى أحدثت انقلاباً حقّاً بعباراتها الموجزة في عرض التوحيد الخالص، و عدم تعدّد ذات الحقّ تعالى. و ذكر الشيخ الطبرسيّ هذه الخطبة في «الاحتجاج» فقال: قال عليه السلام:
«دَلِيلُهُ آيَاتُهُ، وَ وُجُودُهُ إثْبَاتُهُ، وَ مَعْرَفِتُهُ تَوْحِيدُهُ، وَ تَوْحِيدُهُ تَمِييزُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَ حُكْمُ التَّمِييزِ بَيْنُونَةُ صِفَةٍ لَا بَيْنُونَةُ عُزْلَةٍ. إنَّهُ رَبٌّ خَالِقٌ غَيْرُ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٍ، كُلُّ مَا تُصُوِّرَ فَهُوَ بِخَلَافِهِ».
ثمّ قال عليه السلام: «لَيْسَ بِإلَهٍ مَنْ عُرِفَ بِنَفْسِهِ. هُوَ الدَّالُّ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَ المُؤدِّيّ بِالمَعْرِفَةِ إلَيْهِ».۱
الحديث الثاني عشر: رواية رواها الشيخ الصدوق في «معاني الأخبار» بسنده المتّصل عن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله:
«التَّوْحيدُ ظَاهِرُهُ في بَاطِنِه، وَ بَاطِنُهُ في ظَاهِرِهِ. ظَاهِرُهُ مَوْصُوفٌ لَا يُرَى، وَ بَاطِنُهُ مَوْجُودٌ لَا يَخْفَى، يُطْلَبُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وَ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ. حَاضِرٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَ غَائِبٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ»٢
هذه الأحاديث الإثنا عشر تمثّل نموذجاً من الأحاديث المأثورة عن أئمّة الشيعة في توحيد الذات الإلهيّة المقدّسة. وإنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو فاتح هذا الباب، و حلّال هذه المسألة للُامّة، إذ بيّن للناس بمنطقهِ البليغِ التوحيدَ الذي منحه الحقُّ سبحانه و تعالى خاتمَ أنبيائه صلى الله عليه وآله.
بيان إجمالي للتوحيد الحقّ الحقيقي ودفع شبهة الحلول و الاتحاد
و بيان هذه الحقيقة إجمالاً و باختصار هو أنّ الذات الإلهيّة المقدّسة تامّة، بل فوق التمام، و ما لا يتناهى بما لا يتناهى، أي: هي غير متناهية أزلًا و أبداً و سرمداً و وجوداً و سعة و عموماً و إطلاقاً و اسماً و صفة و فعلًا. و لا تخضع لحدّ و قيد و قياس بأيّ وجه من الوجوه. و ما يلزم هذا النحو من الوجود هو الوجوب و الوحدة.
إنّ الوحدة أعظم صفة من صفات الله عزّ شأنه، و هي ليست من سنخ الوحدات العدديّة أو النوعيّة أو الجنسيّة و ما شابهها ممّا تتّصف به الممكنات، بل هي الوحدة الحقّة الحقيقيّة المعبَّر عنها بالوحدة بالصِّرافة، أي: الوحدة التي يستحيل مع وجودها فرض إمكان تعدّدها، و كلّ ما يُفْرَضُ في قبالها، يعود إليها نفسها، و إنّ ما يستلزمه هذا النحو من الوحدة هو تشخّص الوجود و الأصالة و الثبوت، التي هي عين الوجود و التحقّق.
- «الاحتجاج» ج ۱، ص ٢٩٩.
- «معاني الأخبار» ص ۱۰، باب التوحيد و العدل، الحديث رقم ۱، طبعة مكتبة الصدوق.
