
محوريّة التوحيد في السياسة الإسلاميّة (2)
مقارنة بين الماديّة والإسلام.
بماذا تختلف المدرسة الماديّة عن المدرسة الإلهية في الحياة السياسيّة؟ما هو محور السياسة والحكم في الإسلام؟ وكيف نشاهد ذلك في سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله؟ تجيبك هذه المقالة بإيجاز على الأسئلة أعلاه.
محوريّة التوحيد في السياسة الإسلاميّة (۲)
3ـ ممّن تهربون؟ ممّن تفرّون؟ أمن الله تفرّون؟ من عليّ تفرّون؟ اذهبوا ببطء، عليّ لا يريد أن تقعوا على الأرض، لا تستعجلوا!
ـ كلاّ، فلنذهب ولنُنْهِ الأمر ما دام عليّ مشغولاً بتغسيل النبيّ ودفنه. لأنّ أبا سفيان أيضًا كان مخالفًا لهم، والعبّاس كان مخالفًا، وسعد بن أبي وقّاص كان مخالفًا. ما دام الأمر كذلك فلنُنْهِه. ما ذلك؟ إنّه تسريع في النار، تسريع في الجهالة، تسريع في البعد. وعليّ جالس في مكانه، يقول: نحن نغسّل جنازة النبيّ؟ يهزأ منهم وممّا يصنعون: لا تستعجلوا يا أعزّتي، اذهبوا ببطء ستصلون إلى هدفكم، امشوا ببطء تصلون أيضًا إليه. أمير المؤمنين الله معه، سواء كان في المنزل أم خارجه. القضيّة ليست قضيّة خسارة.
إحدى الحسنيين في المدرسة الإلهيّة مقابل بقاء الاسم والحمد في المدارس الماديّة
هذا منطق الماديّين: وقولي... مكانك تحمدي أو تستريحي. أقول لنفسي، شاركي في هذه الجماعة، شاركي في هذه المعركة، فإمّا أن يبقى منك أثر محمود، واسم جميل، أي تستمرّ شخصيّتك، أو تستريحين من العدوّ. فما هذا المنطق؟ المنطق المادّي، التفكير المادّي هو هذا، أمّا المنطق الإلهيّ فماذا؟ في المنطق الإلهيّ كما يقول العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه ۱ المنطق هو منطق هذه الآية الشريفة {قل هل تربّصون بنا إلاّ إحدى الحسنين}٢، ماذا تتوقّعون منّا؟ هل تتوقّعون منّا أكثر من هذا؟ تريدون منّا؟ إحدى الحسنيين، إن تغلّبنا عليكم فإنّا نقيم الحكومة الإلهيّة، وإن قتلنا فالسعادة الأخرويّة. فكلاهما يصبحان إلهيّين. لا يقول: يبقى اسمي. لا يقول: قولوا كذا وكذا. كلاّ إن قتلنا فهناك النعم الإلهيّة والرضوان الإلهيّ، والوصول إلى القرب الإلهيّ. وإن هزمناكم فقد طهّرنا الأرض من الفاسدين والفاسقين، وأعددناها لظهور التوحيد.٣
محوريّة التوحيد في صلح الحديبيّة
في مدرسة الإلهيّين لا مكان للشخصيّة، المكان للمدرسة، وهذا ليس كلامًا سهلاً أيّها السادة! يبدو أنّه سهل. يجب أن تتّبع المدرسة، المهمّ في مدرسة الإلهيّين هو الهدف. كم تحمّل النبيّ الأكرم من هؤلاء المشركين؟ المعارك التي خاضها، خاضوا معركة بدر، خاضوا معركة أحد، خاضوا معركة الخندق والتي تدعى معركة الأحزاب، الأذى الذي كانوا يقومون به، التعذيب الذي كانوا يعذّبونه. أبو سفيان هذا رأس كافّة الفتن في زمان رسول الله وبعد زمان رسول الله، أبو سفيان هذا نفسه... يسير النبيّ ليفتح مكّة ـ انظروا! عجيب واقعًا نحن نرى هذه الأمور وندسّ رؤوسنا في الرمل، في كلّ لحظة ولحظة من حركات النبيّ تتجلّى محوريّة التوحيد هذه ـ هيا لنفتح مكّة، تعالوا، تعالوا نحو مكّة، ولنحرم ولنصنع كذا وكذا. فيأتون وما إن يصلوا إلى الحديبيّة يمنعهم المشركون. لم تكن قد توفّرت العِدّة والعُدّة لقتال المشركين، لم تكن الظروف قد تهيّأت فماذا يصنعون؟ يرى رسول الله أنّه لا مصلحة في قتالهم، ولا بدّ من كتابة معاهدة صلح، ثمّ يرجعون إلى المدينة. يقولون: عجبًا يا رسول الله! أنت وعدتنا. فقال النبيّ: هل وعدتكم أن يكون هذه السنة؟ نعم نذهب.{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحقّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين}٤. وعد الله أن تدخلوا مكّة، جميعكم تحلقون، جميعكم تقصّرون، تؤدّون الأعمال، تحجّون، تطهّرون مكّة كافّة من لوث وجود الكفّار والمشركين والأصنام. ولكن هل قلت هذه السنة؟ أنا لم أقل ذلك. هؤلاء كانوا يتوقّعون، الآن هذا الرسول، رسول الله لا بدّ أن يأتي ويضرب ويستعمل الغمام والرياح ويقلب الأرض ويقطع نسلهم. ولكنّهم رأوا أنّ الأمر على العكس، جاء رسول الله وفق هذا الاعتقاد الظاهر، ووفق هذا المنهج، فرأى أنّه ليس من المصلحة فتوقّف. وهنا اختلّت جميع المعادلات، نحن ماذا كنّا نتصوّر، وماذا حصل. كنّا نتصوّر أنّا نقوم ونفتح مكّة، نضرب نكسر، ونسبي النساء، والأسرى و...، جئنا وصالحنا. انظروا! هذا الظهور الأوّل لحقيقة التوحيد. تعالوا، لا تعتقدوا أنّ هذا الذي يفعل هو رسول الله، صحّحوا فكركم، صحّحوا تصوّركم، رسول الله هذا لا يقوم بالعمل، ذلك الأعلى، ذلك الذي فوق يد رسول الله، انظروا إلى هناك. بما أنّ يدنا لا تصل إليه يرتفع الاعتراض. لأنّ رسول الله إلى جانبنا، لأنّا لا نصل إلى الله نأتي إليه: يا رسول الله لماذا فعلت هذا؟ لقد كنّا نتوقّع كذا، كلّ الأعمال هي بيدك. قال النبيّ: من قال إنّها بيدي؟
- راجع: تفسير الميزان ج٤، ص ۱۱٣.
- سورة التوبة (٩)، بداية الآية ٥٢.
- عنوان البصري الجلسة ٥٢، ص ۷ـ ۱۱
- سورة الفتح (٤۸)، بداية الآية ٢۷.
