
محوريّة التوحيد في السياسة الإسلاميّة (2)
مقارنة بين الماديّة والإسلام.
بماذا تختلف المدرسة الماديّة عن المدرسة الإلهية في الحياة السياسيّة؟ما هو محور السياسة والحكم في الإسلام؟ وكيف نشاهد ذلك في سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله؟ تجيبك هذه المقالة بإيجاز على الأسئلة أعلاه.
محوريّة التوحيد في السياسة الإسلاميّة (۲)
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين
لا سيّما بقيّة الله في الأرضين أرواحنا لتراب مقدمه الفداء
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
محوريّة القيم الماديّة عند المادّيين كبقاء الاسم وتحقّق الأهداف
في مدرسة الماديّين يتمحور الأمر حول القيم الماديّة، ماذا يقول الماديّون؟ حتّى إذا جاهدوا حتّى إذا حاربوا، حتّى إذا افتدوا بأنفسهم فعلى أيّ أساس؟ على أساس البقاء واستمرار الشخصيّة الماديّة. فهذا واحد الفيت كونغ يقف أمام السفارة الأمريكيّة في فيتنام ويصبّ على نفسه البنزين ويحرق نفسه اعتراضًا على السياسة الأمريكيّة هناك ولكنّه لا يعتقد بالله. عندما يسأل: لماذا قمت بذلك؟ يقول: أريد أن يبقى اسمي كمعارض لهذا النظام، مخالف لهذا، لقد جاء إنسان وقام بهذا، يعني لأجل بقاء شخصيّته الظاهريّة يقوم حتّى بهذا العمل.
وقولي كلّما جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي۱ يقول: أقول لنفسي ـ وهذا كلام الماديّين، كلام مدرسة الماديّين ـ أقول لنفسي إذا اشتدّت الحرب وكثر الكلام والقتال والضرب أقول لنفسي: ممّ تخافين؟ لئن قتلتِ فسيبقى اسمك. انظروا! مكانك تحمدي، اسمك يبقى. فيا عجبًا! وقف ولم يفرّ. أو تستريحي، أي وإمّا أن تقتلي العدوّ وتستريحي منه. فالقيمة هي القيمة الماديّة، القيمة تصبح الشهرة، القيمة تصبح: انظروا! النصر لنا! القيمة تصبح: انظروا كنّا نقول صوابًا، القيمة تصبح: انظروا كلامنا حتميّ، تصبح هذه قيمة.
عدم تحقيق النبيّ وأمير المؤمنين لأهدافهما الظاهريّة
من أنت حتّى يكون كلامك حتميًّا؟ يا عزيزي أمير المؤمنين لم يتمكّن من إنجاز عمله. ألم يكن أمير المؤمنين يريد أن يقتلع معاوية؟ هل حصل ذلك؟ لم يحصل. هل تمكّن النبيّ من الوصول إلى أهدافه؟ لقد جاهد النبيّ إلى حدّ، لقد كان خائفًا من هؤلاء، من المنافقين. وفي النهاية نزلت الآية تصرّح بولاية أمير المؤمنين. في ذلك الحرّ، أوقف الناس على مفترق طرق الجحفة والمدينة، وخطب بثلاثة آلاف رجل كانوا هناك، بيّن الأمور للناس وقال: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى! قال: هذا عليّ...»٢ رفع يد عليّ. فهل صارت الولاية لعليّ؟ كلاّ يا عزيزي. كان جثمانه لا يزال على الأرض حين عقدوا السقيفة، جمعوا خلق الله، وقالوا نصنع كذا ونصنع كذا، ويحيا فلان ويموت فلان، وارتقى أبو بكر المنبر، فما هذا؟ هو نبيّ في النهاية، إنّه خاتم الرسل في النهاية، إنّه عقل الكلّ في النهاية، إنّه شرف الجميع وبهاء وفخر كلّ الممكنات وكلّ الخلائق. لم يستطع الوصول. وسأبيّن أنّ معنى عدم التمكّن من الوصول هو عدم التمكّن الظاهريّ، وإلاّ فإنّ كل لحظة من لحظات النبيّ كانت تمكّنًا، كلّ لحظة من لحظاته كانت ظفرًا وانتصارًا، كانت كلّ لحظة من لحظات النبيّ وصولاً إلى المقصود والمعبود، وفي كلّ لحظة كان عليٌّ أميرَ المؤمنين، سواء كان في المنزل، أو على المنبر، أو في ميدان القتال، إنّه عليّ، والله مع عليّ، نحن المساكين علينا أن نفكّر بأنفسنا، فالله مع عليّ وأنتم الحمقى تزيحونه جانبًا؟ إنّه يراها فرصة من الله أن يمضي إلى المنزل. فانظروا كم من فارق بين فكر المدارس الإلهيّة وفكر الظاهر. يقومون مسرعين ويقفزون منقلبين في الهواء، أسرعوا إلى السقيفة!
- ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج٢، ص ٢٢٤.
جشأت وجاشت أي ارتفعت من الفزع. - معرفة الإمام، ج٦، ص: ۷۸ نقلاً عن الجزء الأوّل من كتاب ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من «تاريخ دمشق» ص ٣٦٥ و ٣٦٦.
- ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج٢، ص ٢٢٤.
