
فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله
سيرة أولياء الله في شهر رمضان
بماذا يمتاز شهر رمضان عن شهري رجب وشعبان؟ وكيف يجب على الإنسان أن يستعدّ له؟ وكيف يتلقّى نفحاته وبركاته وماذا عليه أن يفعل فيه؟ وفي ليلة القدر وفي يوم العيد؟ وكيف كان أولياء الله يفعلون فيه؟ تجيبك هذه المقالة بشيء من التفصيل عن ذلك.
فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله
7أجل.. مع بداية شهر رمضان يبدأ هذا الحدث، ويتكامل تدريجياً يوماً بعد يوم، والحالة التي يحصل عليها الإنسان في هذه الأيّام بسبب المراقبة، أو بسبب عدم المراقبة، فالمسألة تجري في كلا الطرفين، وهذه الحالة التي يصل إليها تتمّ وتكتمل في ليلة القدر ، وهذا يصبح تقديره ! إنّها نفس تلك الحالة التي حصل عليها بالتدريج سواء كانت إيجابية وحسنة أم سلبية وقبيحة.۱ المراقبة تعني أن يحتفظ الإنسان بحالة التذلّل والشعور بالحاجة دائمًا في نفسه، ويحافظ على عبوديّته لله، فعندما يتعامل مع الناس يتعامل من حيثيّة العبوديّة لا على أساس أنّ له عليهم حقًّا وبلحاظ الكثرة والأنانيّة، فهذه الطريقة من التعاطي في أيّ مرحلة ومقام كانت هي انقطاع للفيض.٢
أركان المراقبة الخمسة
أمّا كليات المراقبة التي تختلف بجزئيّاتها حسب اختلاف المنازل، فيمكن اختصارها في خمسة أشياء:
صَمت و جُوع و سَهَر و عُزلت و ذكرى بدوام *** ناتمامان جهان را كند اين پنج تمام٣ و٤ الركن الأول: الصمت والسكوت
إنّ أحد تلك الدساتير هو «الصمت»، والصمت يعني: السكوت.
ولدينا روايةٌ باسم «الرواية المعراجيّة» وهي تبدأ بعبارة «يا أحمد .. يا أحمد» وقد أوردها المرحوم المجلسي في المجلد السابع عشر من كتابه بحار الأنوار نقلاً عن الإرشاد للديلمي٥، ولا يعلم إلّا الله ما تمّ بيانه من أسرارٍ حول الصمت والسكوت في هذه الرواية وأنّه يا أحمد! .. يا أحمد! أولئك الذين وصلوا إلى درجة الصدّيقين والمقرّبين وعبروا الدرجات، بالتأكيد اختاروا السكوت طريقًا لهم٦.
ولدينا روايةٌ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، يقول فيها: «لَوْلا تَمريجٌ۷ في قُلوبِكُم وتَكْثِيرٌ في كَلامِكُم لَرَأَيْتُم ما أَرَى ولَسَمِعتُم مَا أَسْمَعُ»۸، أي: لولا هذا الاضطراب والتشويش والاختلاف في قلوبكم، ولولا هذا التكلّم الزائد، لكنتم مثل المرآة وبالطبع كنتم سترون ما أراه، وكنتم ستسمعون ما أسمعه.
وكذلك ورد في حديثٍ نبويٍّ آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه يقول: «لَوْلا أَنَّ الشَّياطينَ يَحُومُونَ حَولَ قُلوبِ بَني آدَمَ لَرَأَوا مَلَكوتَ السَّماواتِ والأَرضِ»٩.
علاقة الكلام بالقلب
ما علاقة كثرة الكلام بالقلب؟ انظروا! إنَّ لكلام الإنسان وحديثه أثرًا وجوديّاً ينشأ من نفسه ومن إرادته، فإنّ النفس ترى شيئًا ما، وتتصوّر صورةً، ويُصبح لديها أُمنِيةً، فتلاحظ صورةً ناجمةً عن المعنى أو عن الصور الذهنيّة، وعندها يُلقي الإنسان ذلك المعنى الذي أرادته نفسه على الآخرين في الخارج، وليس هناك من طريقٍ آخر لإلقاء ذلك المعنى غير اللسان، فإذن الكلام ليس منفصلًا عن القلب، بل هو أثرٌ يحكي عن القلب وعن النيّة؛ فإذن الحديث تعبيرٌ عن النفس وحقيقة الإنسان، الحديث تعبيرٌ عن صاحب النفس، وإشارةٌ إلى الشقيّ والسعيد، إنَّ أفكار الإنسان ونواياه وعقائده، وإرادته هي من آثار نفس الإنسان، والكلام إنّما يحكي عنها فإنّ الوجود نازلٌ عن تلك المعاني المنطوية في النفس، يعني: عندما نُنزّل رغبة النفس أو طلبها أو إرادتها إلى الأسفل، فإنّنا ننزّلها بواسطة الكلام والبيان والإشارة؛ فإذن حديث كلّ فردٍ يُمثّله، ويُمثّل شخصيته وحركته لأنَّ كلامه يُظهره؛ هذه هي العلاقة بين الكلام والقلب.
- عنوان البصري جلسة ٢۰۰ ص ۱٦.
- شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، سنة ۱٤٢٣، الجلسة ٤.
- يقول: «صمتٌ و جوعٌ و سَهَرٌ و عُزلةٌ و دوام الذِّكر؛ فهذه الخمسة ستجعل غير الكاملين في العالم كاملين».
بالنسبة إلى لزوم رعاية هذه الأشياء الخمسة، فقد وردت روايات تفوق حدّ الإحصاء نذكر منها فقط رواية واحدة ذكرت في «مصباح الشريعة» في الباب ٢۸ من الكتاب، يقول: قَالَ الإمَامُ الصَّادقُ عَليه السّلامُ: «لا رَاحَةَ لِمُؤمِنٍ إلّا عِندَ لِقَاءِ اللهِ تعالى، وَ مَا سِوَى ذَلِك فَفي أرْبَعَةِ: صَمْتٌ تَعْرِفُ بِهِ حَالَ قَلْبِكَ وَ نَفْسِكَ فيما يَكُونُ بَينكَ وَ بَين بَارِئِكَ، وَ خَلْوَةٌ تَنجو بها مِنْ آفَاتِ الزَّمَانِ ظَاهِراً وَ بَاطِنَاً، وَ جُوعٌ تُمِيتُ بِهِ الشَّهَواتِ وَ الوَسْوَاسَ، وَ سَهَرٌ تُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَكَ وَ تُصَفي بِهِ طَبْعَكَ وَ تُزَكِيّ بِهِ رُوحَك.»
وقد ذكرت هنا أركان أربعة *** دون دوام الذكر ، و من المعروف أنّ دوام الذكر من أهمّ المقاصد كذلك. - الشمس *** الساطعة، ص ۸۱.
- بحار الأنوار، ج۱۷، ص ۷ إلى ٩ من نسخة الكمباني، و ج ۷٤، ص ٢۷ من طبعة دار التراث العربي؛ الإرشاد ج۱، ص ٢۰٣؛ ولمزيدٍ من الاطلاع على هذه الرواية، راجع كتاب معرفة الله، ج ٢، ص ٥۷. (م)
- إشارة إلى هذا المقطع من الرواية: «يَا أَحْمَدُ عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ فَإِنَّ أَعْمَرَ مَجْلِسٍ قُلُوبُ الصَّالِحِينَ وَالصَّامِتِينَ». (م)
- أصل المَرْج: الخلط؛ والمَرَج: الاختلاط، راجع: المفرادات للراغب الأصفهاني، ج۱، ص ۷٦٤. (م)
- الميزان في تفسير القرآن، ج ٥، ص ٢۷۰.
- بحار الأنوار، ج ٦۰، ص ٣٣٢، مع أدنى تفاوت.
