
هل تعني وحدة الوجود أن كل شيء هو الله؟
بيان الشبهة و جوابها
التوضيحات: يتصور البعض أن معنى وحدة الوجود هو أن جميع الأشياء هي الله (تعالى الله عن ذلك)، وبسبب هذا الفهم الخاطئ فقد وجّه هؤلاء سهام الإشكال للعرفاء القائلين بوحدة الوجود واتهموهم بالكفر وإنكار بديهيّات الدين. و لكن الحقّ أنّ هذه الشبهات ناتجة من سوء الفهم لهذه النظرية الراقية، وهذه المقالة تستفيد من كلمات العلامة الطهراني رضوان الله عليه في بيان حقيقة وحدة الوجود بشكل صحيح، لتندفع بذلك هذه الشبهة.
هل تعني وحدة الوجود أن كل شيء هو الله؟
5[وكذلك يقول العلامة الطهراني رضوان الله عليه في كتاب ولاية الفقيه في حكومة الإسلام:]
وحدة الوجود من أعظم وأعلى وأصعب وأدقّ مسائل الحكمة المتعالية، وفهمها ليس يسيراً هيّناً، فعلى الإنسان أن يجدّ ويكدّ طوال عمره علماً وعملاً؛ وهل سيفهمه الله أصل وحقيقة وحدة الوجود أو لا؟! فهذا من الأسرار التي لا يمكن البوح بها لأيٍّ كان.
الفهم الخاطئ لوحدة الوجود: جميع الأشياء هي الله
لو قال إنسان لآخر: "الوجود واحد"؛ فماذا يفهم من هذا الكلام؟ سيقول: إنَّ معنى هذا الكلام هو أنّ هناك وجوداً واحداً متحقّقاً لا غير، وهو وجود الذات الإلهيّة المقدّسة، أي أنَّ جميع الأشياء هي الله، ولذا يتوهّمون بأنَّ الإنسان هو الله والخنزير هو الله والكلب هو الله والقاذورات هي الله والزاني هو الله والمزنيّ به هو الله!
إنّ هذا كفر وشرك؛ والقائل بوحدة الوجود لا يقول: إنَّ الزاني والمزنيّ به هو الله، وإنَّ الكلب والخنزير هو الله؛ وهو لا يقول: إنَّ الإنسان هو الله، ولا يقول: إنَّ من هو أرقى من الإنسان (الملائكة) هو الله، ولا يقول: إنَّ الملائكة المقرّبين والروح هم الله، ولا يقول: إنَّ جبرئيل والروح الأمين وروح القدس هم الله!
بل إنَّه يقول: إنَّ هؤلاء جميعاً موجودات متعيّنة ومتقيّدة ومحدودة ومشخّصة، والله تعالى لا حدّ له، وحتّى النبيّ مع جميع تلك اللامحدوديّة التي يمتلكها بالنسبة لجميع الموجودات، لكنّه بالنسبة إلى الله محدود وممكن. فهو لا يقول: إنَّ الرسول هو الله؛ بل القائل بوحدة الوجود يقول بأنَّه ليس هناك شيء غير الله.
لا بد من التفريق بين (جميع الأشياء هي الله) وبين (لا وجود مستقل لغير الله)
هناك فرق بين أن نقول إنَّ جميع الأشياء هي الله (كُلُّ شَيْءٍ هُوَ الله) وبين أن نقول: لا شيء موجود غير الله۱؛ فالقائل بوحدة الوجود يقول: لا وجود في العالم لغير الذات المقدّسة لواجب الوجود على الإطلاق، فالوجود الاستقلاليّ واحد فقط، وهو قد غمر جميع الموجودات وَلا تَشُذُّ عَنْ حيطَةِ وُجودِهِ ذَرَّة! وكلّ وجود تحسبونه وجوداً مستقلًّا فاستقلاله هذا ناشئ عن عدم إبصاركم وعدم إدراككم. الوجود المستقلّ هو وجوده وحده فقط، ووجود جميع الموجودات ظلّيّ وتبعيّ واندكاكيّ وآليّ لأصل الوجود، ووجود الجميع قائم بتلك الذات المقدّسة للحيّ القيّوم.
- نلفت نظر القارئ الكريم إلى دقة المسألة، فلا بد من التدقيق و التأمل فيها، و عدم الاستعجال والمسامحة، كما نلفت نظره الكريم إلى وجود عدة مقالات في الموقع حول وحدة الوجود، فقراءة جميع المقالات مفيدة جدًّا في فهم النظرية بأبعادها، وفي دفع الشبهات المختلفة.
ولتوضيح ما أفاده العلامة الطهراني في المتن أعلاه بشكل أكبر نقول: إن معنى (كل شيء هو الله) هو معنى باطل لأن الأشياء محدودة والله تعالى مطلق لا حد له، فلا يمكن أن تكون الأشياء هي الله، وهذا القول الباطل لا يقول به أصحاب نظرية وحدة الوجود.
وأما قولهم (ليس هناك موجود سوى الله) فهو حقٌ وصحيح؛ لأن المراد منه نفي أي وجود استقلالي عن الأشياء، فالأشياء لها واقعية ووجود ولكن وجودها في طول وجود الله وليس في مقابله و ليس "سوى الله".
ويمكن أن نقرب الفكرة بمثالٍ، فنقول: لو كان هناك بحر، وكان لهذا البحر أمواج، فهنا لا يصح أن نقول: إن الأمواج هي البحر؛ لأن البحر واسع و الأمواج محدودة، وفي نفس الوقت يصح أن نقول: لا يوجد شيء سوى البحر، لأن الأمواج ليست خارجة عن البحر وغيرًا له، بل وجودها ظهور لوجود البحر، فوجود الأمواج واقعي ولكنه في نفس الوقت ليس مستقلا عن وجود البحر، فليس لها وجود آخر غير وجوده وفي عرض وجوده وفي مقابله.
- نلفت نظر القارئ الكريم إلى دقة المسألة، فلا بد من التدقيق و التأمل فيها، و عدم الاستعجال والمسامحة، كما نلفت نظره الكريم إلى وجود عدة مقالات في الموقع حول وحدة الوجود، فقراءة جميع المقالات مفيدة جدًّا في فهم النظرية بأبعادها، وفي دفع الشبهات المختلفة.
