
هل تعني وحدة الوجود أن كل شيء هو الله؟
بيان الشبهة و جوابها
التوضيحات: يتصور البعض أن معنى وحدة الوجود هو أن جميع الأشياء هي الله (تعالى الله عن ذلك)، وبسبب هذا الفهم الخاطئ فقد وجّه هؤلاء سهام الإشكال للعرفاء القائلين بوحدة الوجود واتهموهم بالكفر وإنكار بديهيّات الدين. و لكن الحقّ أنّ هذه الشبهات ناتجة من سوء الفهم لهذه النظرية الراقية، وهذه المقالة تستفيد من كلمات العلامة الطهراني رضوان الله عليه في بيان حقيقة وحدة الوجود بشكل صحيح، لتندفع بذلك هذه الشبهة.
هل تعني وحدة الوجود أن كل شيء هو الله؟
4أو هل تأمّلنا في هذه الآية القرآنيّة المباركة: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾۱؟
فكيف ترى نتصوّر معيّة الله لنا إن نحن اعتبرناه منفصلًا عنّا وعددنا أنفسنا منفصلين عنه، كمثل رفيقين يسافران معاً أو كشخصَين لهما معيّة العمل في شركة معيّنة؟ إذ لن تكون المعيّة في هذه الحال معيّةً واقعيّةً وحقيقيّة، بل ستكون معيّة اعتباريّة ومجازيّة وكاذبة.
إنّ للّه سبحانه معنا معيّة حقيقيّة، أي معيّة وجوديّة، لكنّه كمثل الشمس ونحن كمثل الشعاع، أو حسب التعبير القرآنيّ الأفضل كمثل الظلّ. فهو الاستقلال ونحن التبعيّة، وهو العزيز ونحن الأذلّاء، وهو الحقيقة ونحن الآية والمرآة.
أقسم بالله عليكم! أ يمكن تصوّر أن يقوم القرآن ببيان وإيضاح معنى المعيّة وإيضاحه أفضل ممّا فعل؟! أوَهل فكرنا في هذه الآية الكريمة الشريفة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾٢؟!
الشبهات على القول بوحدة الوجود ناتجة عن سوء الفهم
لكنّ إدراك هذا المعنى بالمشاهدة والوجدان والعيان ليس ميسوراً لكلّ أحد، فهذا هو مقام التوحيد العالي؛ حيث ينبغي أن يصل المسلم حقيقة إلى درجة يرى الله سبحانه فيها -قلباً وسرّاً- إلهاً واحداً، ويدرك أن جميع الموجودات ليست إلّا موجودات فانية مضمحلّة ومندكّة ومعدومة، بلا قدرة ولا حياة أمام ذلك الوجود العزيز المستقلّ والقادر والحيّ.
هنا يصمت أهل التوحيد فلا ينبسون بكلمة، فلو تكلّموا وقالوا: إنّ هناك في عالم الوجود وجوداً واحداً مستقلًّا مختاراً مريداً، وأنّه ليس هناك إلّا وجودٌ عليم سميع قدير بصير حيّ قيّوم، وأنّ جميع الموجودات هي فَناء محض أمام ذلك الوجود؛ لعدّهم الناس زنادقة وكفّاراً.
ولاستنكروا عليهم بقولهم: كيف تقولون عن هذه القدرات ومراكز العظمة والحياة والعلم في الدنيا إنّها بلا أثر وإنّها ليست إلّا فَناءً محضاً؟! وكيف تعتبرون أمثال فرعون ونمرود والشيطان مقهورين مسخّرين لأمر الحقّ؟! ليس هذا منكم إلّا عين الكفر ونسبة القبح إلى الله تعالى.٣
بيان آخر للعلامة الطهراني في الجواب عن الشبهة
- مقطع من الآية ۷، من السورة ٥۸: المجادلة.
- الآية ٣، من السورة ٥۷: الحديد.
- الروح المجرد ص ٣٦۸ – ٣۷۱.
