
وحدة الوجود في ضوء القرآن الكريم
التوحيد في الذات والصفات والأفعال
التوضيحات: لقد اهتمّ العرفاء بالله والأولياء الإلهيون بمسألة التوحيد اهتمامًا بالغًا، باعتبارها أساس الدين والمحور الذي يدور حوله. وقد أصرّ هؤلاء الأعاظم على أنّ وحدة الوجود تمثل أعلى مراتب التوحيد وأدقها. فما المراد بوحدة الوجود؟ تحاول هذه المقالة، المستفادة من كلمات العلّامة الطهراني (رضوان الله عليه)، أن تقدّم شرحًا واضحًا لهذا المفهوم العميق، بالاعتماد على الآيات القرآنية الكريمة لتوضيح هذه الفكرة من خلال بيان معنى التوحيد في الذات والصفات والأفعال.
وحدة الوجود في ضوء القرآن الكريم
4و كذلك الأمر في التوحيد في الأفعال الذي يعني أن ليس هناك في جميع عوالم الوجود إلّا فعل واحد مستقل قائم بالذات، و أنّ جميع الأفعال التي تصدر من الموجودات الممكنة هي جميعاً إشعاع ذلك الفعل المستقلّ بالذات، القائم بوجود واجب الوجود. كما أن تلك الأفعال في نفس الوقت الذي تمتلك النسبة إلى الممكنات، فإنها تمتلك أيضاً النسبة إلى الخالق جلّ و عز. اي أنّ الفعل الذي يصدر من الموجودات هو ظهور و طلوع من فعل الربّ عزّ و جل، فذلك العمل متعلّق حقيقة بالله سبحانه، فهو يظهر و يطلع في ذلك الموجود بأمر الله و إذنه، و على هذا الأساس فإنّ الظهور يجد النسبة أيضاً إلى ذلك الموجود.
و لذلك فإنّ الفعل الذي يقع من موجود معيّن، و الذي ينسب إلى ذلك الموجود، هو في حقيقة الأمر وواقعه منسوب إلى الله سبحانه، غاية الأمر أنّ هاتين النسبتين ليستا في عرض بعضهما، بل هما في طول بعضهما. و ذلك لانّ أيّا من الله تعالى و ذلك الموجود لم ينجز ذلك الفعل بصورة مستقلّة، كما انّهما لم يشتركا في فعله سويّاً، بل إنّ ذلك الفعل قد صدر و ظهر أوّلًا و بالذات من مصدر الفعل و الوجود، و هو الذات المقدّسة للَه تعالى، ثمّ ظهر و نشأ في هذا المورد ثانياً و بالعرض.
جميع الموجودات آيات و مرايا لذات الحق تعالى
و قد قال الحكيم السبزواري في هذا الشأن:
فَالكُلُّ بِالذَّاتِ لَهُ دِلَالة *** حَاكِيَةٌ جَمَالَهُ جَلَالَه وَ كُلُّ جُزْئِيٍّ مِنَ الأسْمَا وُضِعْ *** وَضْعَاً إلهيّاً لِمعنى مَا صُنعْ إذْ عَرَضُ الدَّلالَةِ الْعرْضِيّة *** تَزُولُ لَا الذَّاتِيَّةُ الطُّولِيَّة۱ يقول: إنّ جميع الموجودات هي ذاتاً آيات و مرايا لذات الحقّ، دالّةٌ على وجوده و حاكية عن جماله و جلاله، و أنّ كلّ واحد من الموجودات و الأسماء الجزئيّة له دلالة على ذاته بالوضع الإلهي و الواقعي، لا بالدلالة الوضعيّة و التصنّعيّة، و سبب ذلك أنّ الدّلالة إن كانت عرضيّة فإنّها ستفنى خلافاً للدلالة الطوليّة الناشئة من العلّة و المعلوليّة و الموجودة بالذات الموجودة في حاقّ وجوده.
- المنظومة السبزواريّة، غرر في تكلّمه تعالى، ط ناصري، ص ۱۷۷ و ۱۷۸.
