
وحدة الوجود في ضوء القرآن الكريم
التوحيد في الذات والصفات والأفعال
التوضيحات: لقد اهتمّ العرفاء بالله والأولياء الإلهيون بمسألة التوحيد اهتمامًا بالغًا، باعتبارها أساس الدين والمحور الذي يدور حوله. وقد أصرّ هؤلاء الأعاظم على أنّ وحدة الوجود تمثل أعلى مراتب التوحيد وأدقها. فما المراد بوحدة الوجود؟ تحاول هذه المقالة، المستفادة من كلمات العلّامة الطهراني (رضوان الله عليه)، أن تقدّم شرحًا واضحًا لهذا المفهوم العميق، بالاعتماد على الآيات القرآنية الكريمة لتوضيح هذه الفكرة من خلال بيان معنى التوحيد في الذات والصفات والأفعال.
وحدة الوجود في ضوء القرآن الكريم
3و بعد أن يُجيبهم الملائكة بهذا الخطاب، يخاطبونهم من جديد قائلين: {فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}.۱
و كما يُلاحظ في هذه الآيات فإنّ قبض الروح قد نُسب في بعض هذه الآيات إلى الله سبحانه، و في بعضٍ إلى ملك الموت، كما نسب في البعض الآخر إلى الملائكة الذين يقبضون بطريقة معينة أرواح الطيّبين و المخلصين، و يقبضون بطريقة أخرى أرواح الظالمين و الجائرين.
فما الذي يفيده الجمع بين هذه الآيات؟ إنْ كان الله يقوم بنفسه بقبض الروح فما الذي يفعله عزرائيل و سائر الملائكة؟ و إن كان ذلك من فعل عزرائيل لوحده فما هو عمل باقي الملائكة؟ و ما معنى نسبة هذا الفعل إلى الذات المقدّسة للربّ جلّ و عزّ؟ وإذا كان ذلك من فعل الملائكة، فما هو عمل ملك الموت؟ و ما الذي تعنيه نسبة قبض الروح إلى الله هنا أيضاً؟
تلك مسألة ينبغي إلقاء الضوء عليها، و ذلك لأنّه علاوة على عدم وجود تناقض في القرآن الكريم، فإنّ هذه الآيات تبيّن أصلًا مهمّاً من أصول التوحيد المتقنة.
التوحيد في الذات و التوحيد في الصفات والتوحيد في الأفعال
و لإيضاح هذا المعنى نقول: إنّ الدين الإسلامي المقدّس قائم على أساس التوحيد، التوحيد في الذات، التوحيد في الصفات، والتوحيد في الأفعال؛ فالتوحيد في الذات يعني أن ليس هناك في جميع عوالم الوجود الّا وجوداً مستقلًا واحداً قائماً بالذات، و ذلك الوجود يعود للذات المقدّسة لمفيض الوجود وواهبه جلّ و علا، امّا باقي الموجودات فليس وجودها الّا وجود ظلّي و تبعي و معلول و ناقص و ممكن.
امّا التوحيد في الصفات فإنّه يعني أنْ ليس هناك في جميع عوالم الوجود الّا علم مطلق واحد و حياة مطلقة واحدة و قدرة مطلقة واحدة؛ و كذلك الأمر في سائر الصفات، و أنّ هذه الصفات مختصّة بالذات المقدّسة للحيّ القديم العالم القدير، كما أنّ الصفات التي تشاهد في باقي الموجودات من العلم و القدرة و الحياة هي جميعها من إشعاع علم وقدرة وحياة واجب الوجود، وليست مستقلّة بنفسها، بل إنّ نسبتها إلى الصفات الالهيّة كنسبة الظلّ إلى الشاخص، و في حكم الإشعاع المضيء من مصدر النور و القدرة والعلم والحياة.
- الآية ٢٩، من السورة ۱٦: النحل.
