
الولاية - أمانة الله في وجود الإنسان
وتفسير آية {إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرضِ}
يقول تعالى: {إِنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَهَا وَأَشفَقنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَٰنُ}، فما هو المراد من الأمانة التي عرضها الله على السماوات و الأرض فعجزن عن حملها، و كان الإنسان هو الوحيد المؤهل لحمل هذه الأمانة؟ تكشف هذه المقالة القيّمة المستفادة من إحدى محاضرات آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره، القناع عن هذا السر ببيان واضح، وأن هذه الأمانة هي الولاية المودعة في وجود الإنسان. وفي هذا الإطار يبيّن قدس سرّه العلاقة بين التوحيد والولاية، و كيف أنهما وجهان لعملة واحدة، مستعينا بفقرات من دعاء رجب الصادر من الناحية المقدسة الذي يصف أولياء الله بأنهم : أعضادٌ و أشهادٌ و مُناةٌ و أذوادٌ و حَفَظةٌ و رُوّادٌ، فبهِم مَلأتَ سماءَك و أرضَك حتّی ظهَر أن لا إله إلّا أنتَ .
الولاية - أمانة الله في وجود الإنسان
3نعم قابليّتهم في السير العرضيّ غير محدودة ويمكن للقابل من حيث السير العرضيّ هذا أن يتوسّع بمقدار كلّ ما هو موجود حسب إفاضة الفاعل.
ما هي الأمانة ولماذا استطاع الإنسان حملها؟
{وَحَمَلَهَا الإِنسَٰنُ} ولكنّ الإنسان قبلها، فأيّ وديعة هي تلك الوديعة؟! وأيّ أمانة هي تلك الأمانة؟! وما السرّ الذي جعله الله في وجود الإنسان بحيث أمكنه بواسطته أن يخرج من التعيّن والحدّ ويتبدّل إلى اللاحد، ويخرج من النهاية إلى اللانهاية؟ هذا السرّ هو عبارة عن سرّ التوحيد.
التوحيد عبارة عن إدراك وحدانيّة الله بالصرافة والوحدة الحقّة الحقيقيّة له، التوحيد عبارة عن اندكاك كلّ تعيّن وكلّ حدّ في الذات اللامتناهية والوحدانيّة للحقّ تعالى، أي إنّ الإنسان ـ وليس فقط في مرتبة الأفعال والصفات والأسماء، بل في مقام تعيّن الذات أيضًا ـ لا يعود يرى الذوات المتعدّدة والتعيّنات المتعدّدة، بل يرى حقيقة واحدة فقط كتعيّن أوّل وكحقيقة حقّة، ويرى جميع المرايا والقوالب فانية ومندكّة.
هذا الأمر حتّى الملائكة لا يمكنها إدراكه، فحتّى جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل رغم العظمة التي لهم لا يمكنهم إدراكه، فالأمر هنا دقيق وظريف ورقيق إلى درجة تجعل تلك الأمانة والوديعة لا تحصل إلا بواسطة الاندكاك والانمحاء وفناء الذات في ذات الحقّ، ولا يمكن لشيء آخر أن ينوب عن ذلك. فلو أعطيت علومُ الأوّلين والآخرين لمخلوق ما لما أمكنه رغم ذلك أن يصل إلى هذا المقام. ولو أعطيت حياة جميع العوالم السبعة لمخلوق لما أمكنه رغم ذلك أن يصل إلى هذه المرتبة، وهذه المرتبة أعلى، ولو أعطيت جميع لذّات الأوّلين والآخرين والعوالم الربوبيّة لمخلوق، سواء منها اللذّات الدنيويّة أو الأخرويّة في عالم المثال والملكوت والجبروت واللاهوت، لما وصل رغم ذلك إلى هذه المرتبة، اللذّات التي لا يمكن أن نتصوّرها ولا ندركها، تمامًا كالطفل غير المميّز الذي يريدون أن يشرحوا له بعض اللذّات، أصلاً إدراك تلك اللذّات ممتنع بالنسبة إليه وغير ممكن، لأنّه ليس لديه قابليّة إدراك ذلك، وهكذا نحن لأنّنا فعلاً أسرى عالم الطبع فإنّ إدراك لذّات كهذه أمر ممتنع علينا، إلاّ إذا تجاوز الإنسان وأدخل نفسه في تلك المراحل.
