إنّ لفظة الولاية و مشتقاتها قد تكررت كثيرا في القرآن الكريم و الروايات الشريفة، فهي من المفردات المهمة جدًّا خصوصًا أنّها وردت في حديث الغدير، وغيره من النصوص المهمّة. ومن جهة أخرى تعتبر هذه الكلمة واحدة من أهم المفردات المستعملة في مجال العرفان حيث يعبّر عن العارف بأنّه وليّ الله؛ فما المراد بهذه المفردة؟ اختلف العلماء في معناها، وبعضهم أرجع معانيها إلى ما يقرب من العشرين، فهل للولاية هذا العدد من المعاني واقعاً؟ يجيب العلامة الطهراني بالنفي و يبيّن في هذا التحقيق العلميّ اللغويّ المهمّ ما هو المعنى الواحد و الأصليّ الذي ترجع إليه جميع المعاني.
الولاية – تحقيق في المعنى اللغوي
4وَ نِعْمَ وَلِيّ الأمْرِ بَعْدَ وَلِيِّهِ *** وَ مُنْتَجَعُ التَّقْوَى وَ نِعْمَ الْمُقَرَّبُ و قوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ﴾۱. نزلت في حقّ عليّ (بن أبي طالب) عليه السلام. عند المخالف و المؤالف حين سأله سائل و هو راكع في صلاته فأومأ إليه بخنصره اليمنى، فأخذ السائل الخاتم من خنصره؛ و رواه الثعلبيّ في تفسيره.
قال الشيخ أبو عليّ: و الحديث طويل، و فيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: «اللَهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أمْرِي، وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أهْلِي، عَلِيّاً أخِي، اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي».
قال أبو ذر: فوالله ما استتمّ الكلام حتى نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد! إقرأ:
﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ﴾.
قال [أبو على]: المعنى: الذي يتولّى تدبيركم ويلي أموركم، الله و رسوله و الذين آمنوا، الذين هذه صفاتهم، الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون.
قال الشيخ أبو علي: قال جار الله٢: إنّما جيء به على لفظ الجمع- و إن كان السبب فيه رجلًا واحداً- ليرغّب الناس في مثل فعله، و لينبّه أنّ سجيّة المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان. ثمّ قال الشيخ أبو عليّ: و أقول: قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع للتعظيم، فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه (من قِبل جار الله). فهذه الآية من أوضح الدلائل على صحّة إمامة على (بن أبي طالب) عليه السلام بعد النبيّ (الأكرم) صلّى الله عليه و آله و سلّم بلا فصل.
و نقل أنه اجتمع جماعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في مسجد المدينة، فقال بعضهم لبعض: إن كفرنا بهذه الآية، كفرنا بسائرها! و إن آمنّا، صارت فيما يقول، و لَكِنَّا نَتَوَلّى وَ لَا نُطِيعُ عَلِيّاً فيما أمَرَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾.
- الآية ٥٥، من السورة ٥: المائدة.
- جار الله لقب الزمخشريّ صاحب تفسير «الكشّاف» المعروف.

