إنّ لفظة الولاية و مشتقاتها قد تكررت كثيرا في القرآن الكريم و الروايات الشريفة، فهي من المفردات المهمة جدًّا خصوصًا أنّها وردت في حديث الغدير، وغيره من النصوص المهمّة. ومن جهة أخرى تعتبر هذه الكلمة واحدة من أهم المفردات المستعملة في مجال العرفان حيث يعبّر عن العارف بأنّه وليّ الله؛ فما المراد بهذه المفردة؟ اختلف العلماء في معناها، وبعضهم أرجع معانيها إلى ما يقرب من العشرين، فهل للولاية هذا العدد من المعاني واقعاً؟ يجيب العلامة الطهراني بالنفي و يبيّن في هذا التحقيق العلميّ اللغويّ المهمّ ما هو المعنى الواحد و الأصليّ الذي ترجع إليه جميع المعاني.
الولاية – تحقيق في المعنى اللغوي
9و بهذا الميزان يقال لكلّ واحد من طرفي النسبة و الإضافة: وليّ، أيّ: زالت البينونة و الغيريّة تماماً، و ظهرت هُوَ الْهوِيَّة.
هذه هي حقيقة الولاية؛ و من هنا نرى:
أوّلًا: أنّ جميع آثار و خصوصيّات الوليّ بمعنى الفاعل مشهودة في الوليّ بمعنى المفعول، و كالمرآة تعكس وجه صاحب الصورة كلّه دون أدنى حبّ للظهور.
و ثانياً: أنّ جميع المشتقّات المنبثقة عن الوليّ، و جميع المعاني المذكورة لهذه الكلمة ترتكز على هذا الأساس، و تقوم على هذا الميزان؛ و ذلك لأنّ شرط الولاية هو القُرب. و للقرب أشكال متنوّعة، حيث لوحظت حقيقة الولاية تلك في كلّ مظهر من مظاهر القرب، بكلّ ما للكلمة من معنى، مع ملاحظة هذه الخصوصيّة.
و على هذا لا يصحّ أن نقول بأنّ الوَلاية، و الوَلِيّ، و المَوْلَى و ما يتفرّع عنها من مشتقّات تستعمل في معانٍ متنوّعة هي على نحو الاشتراك اللفظي، لا، فالأمر ليس كذلك، بل هي على نحو الاشتراك المعنويّ و استعمال اللفظ في ذلك المعنى الواحد، حيث أخذ بنظر الاعتبار نوع من خصوصيّة القرب من ذلك المعنى العامّ بواسطة قرينة حالية أو لفظيّة. و هذا اللون من الاستعمال حقيقيّ في جميع موارد الاستعمال.
و في ضوء هذا الكلام، فإنّنا حيثما وجدنا مفردات الوَلاية، أو الوَليّ، أو المَوْلَى و غيرها، و ليست معها قرينة تدلّ على خصوص أحد مصاديقها، فلا مناص لنا أن نأخذ بعين الاعتبار المعنى العامّ دون أيّ قيد، فنعتبره المراد من تلك المفردات. فمثلًا لو قيل: الولاية لله، فلا بدّ أن نقول: أنّ المراد هو معيّة الله لجميع الكائنات. و لو قيل: بلغ فلان مقامَ الوَلاية، فلا بدّ أن نقول: إنّه بلغ مرحلة من مراحل السير و السلوك و العرفان و الشهود الإلهيّ زال معها كلّ حجاب من الحجب النفسانيّة بينه و بين الحقّ جلّ شأنه، و اضمحلّت شوائب الفرعونيّة و الربوبيّة كلّها في وجوده، و ظفر بمقام العبوديّة المطلقة المجرّدة للحقّ جلّ و عزّ.
و يتّضح في ضوء هذا الكلام الذي ذكرناه أنه حيثما استعملت الوَلاية، أو الوَلِيّ، فإنّ هناك لوناً من الاتّحاد و الوحدة قائم بين شيئين، و قد أتوا بهذه المفردة في ضوء ذلك الأصل. فهناك مثلًا نسبة بين المالِك و المَمْلُوك، و هذه النسبة قد ربطتهما و شدّت أحدهما بالآخر، لذا يقال لكلّ واحد منهما: وليّ. و كذلك النسبة بين السيّد و عبده، و النسبة بين المُنْعِمِ و المُنْعَمِ عليه. فإنّها جعلتهما تحت عنوان خاصّ، حيث يقال لكلّ واحد من هذين الاثنين: وليّ. و النسبة الموجودة بين المُعتِق و المُعتَق أتت بهذا العنوان تالياً لها. و هكذا النسبة القائمة بين الحليفين، و العقيدين، و بين الحَبيب و المُحِبّ.

