إنّ لفظة الولاية و مشتقاتها قد تكررت كثيرا في القرآن الكريم و الروايات الشريفة، فهي من المفردات المهمة جدًّا خصوصًا أنّها وردت في حديث الغدير، وغيره من النصوص المهمّة. ومن جهة أخرى تعتبر هذه الكلمة واحدة من أهم المفردات المستعملة في مجال العرفان حيث يعبّر عن العارف بأنّه وليّ الله؛ فما المراد بهذه المفردة؟ اختلف العلماء في معناها، وبعضهم أرجع معانيها إلى ما يقرب من العشرين، فهل للولاية هذا العدد من المعاني واقعاً؟ يجيب العلامة الطهراني بالنفي و يبيّن في هذا التحقيق العلميّ اللغويّ المهمّ ما هو المعنى الواحد و الأصليّ الذي ترجع إليه جميع المعاني.
الولاية – تحقيق في المعنى اللغوي
8و الوالي الذي في قوله: ﴿وَ مَا لَهُم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ بمعنى الوليّ.
ثمّ ذكر الراغب كثيراً من الآيات القرآنيّة التي جاء فيها اسم الولي، و نفت الولاية عن غير الله، و نهت عن اتّخاذ اليهود و النصارى أوليآء، و اتّخاذ أعداء الله أوليآء. و نقل كثيراً من الآيات التي وردت فيها مشتقّات هذه المادّة مع معانيها المناسبة.۱
المعنى الاصليّ و الحقيقيّ للولاية
حقّاً فقد نقلنا هنا ما كان ضروريّاً من كتب اللغة حول معنى الولاية و مشتقّاتها لكي يطّلع الخبير البصير على خصوصيّات المعاني و مواضع استعمالها. و يستوعبها بالتدبّر و التأمّل، و يفهم أنّ هذه المعاني المتنوّعة للولاية، و الوَليّ، و المَوْلَى و غيرها جميعها- حيث قال في «تاج العروس» بأنّ للوليّ واحداً و عشرين معنى- تحوم حول معنى واحد هو أصل معنى الولاية و جذره، و نقلت المعاني الأخرى أيضاً مستعارة من ذلك المعنى؛ أو أنّ أصل معنى الولاية في هذه المواضع جميعها محفوظ؛ و غاية الأمر إنّهم لاحظوا- لسبب من الأسباب- المعنى الأصليّ بانضمام خصوصيّة أخذوها بنظر الاعتبار في الاستعمال.
و أصل ذلك المعنى هو الذي أتى به الراغب في «المفردات» حيث قال في مادّة وَلْي. الْوَلَاءُ و التَّوالى أنْ يَحْصُلَ شَيئانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا. أي: لا حجاب، و لا مانع، و لا فصل، و لا افتراق، و لا غيريّة، و لا بينونة بينهما بحيث لو فرضنا وجود شيء بينهما فهو منهما؛ لا من غيرهما.
مثلًا، يسمّون مقام الوحدانيّة بين العبد و ربّه حيث لا حجاب في أيّ مرحلة من مراحل الطبع، والمثال، و النفس، و الروح، و السرّ: ولايةً.
و يسمّون مقام الوحدة بين الحبيب و المحبوب، و العاشق و المعشوق، و الذاكر و المذكور، والطالب و المطلوب حين ينعدم أيّ انفصال بينهما بأيّ وجه من الوجوه: ولاية.
و في ضوء ذلك، فإنّ الله تعالى وليّ الكائنات جميعها في عالم التكوين بشكل مطلق. و إنّ الكائنات جميعها أيضاً و بلا استثناء وليّة الله تكويناً؛ لأنه لا حجاب بين الله الربّ و بين المربوبين إلّا أن يكون ذلك الحجاب منهما؛ و أمّا في عالم التشريع و العرفان، فإنّ ولاية الحقّ تخصّ الذين اجتازوا مراحل الشرك الخفيّ تماماً، و اخترقوا الحجب النفسانيّة كلّها، و قرّ قرارهم في النقطة الأصليّة و حقيقة العبوديّة.
- «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الإصفهانيّ، ص ٥٣٣، مادّة «ولي».

