
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (2)
الطريق الثاني
كيف تكون موجودات العالم بأسرها آيات إلهيّة؟ هل يُمكن ملاحظة الموجودات بكلا اللحاظين: الآليّ والاستقلاليّ؟ ما هي الأمور التي عبّر عنها الحقّ تعالى في القرآن بالآية؟ بأيّ معنى يُمكننا تفسير الآية الشريفة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ﴾؟ هل ينبغي الشكّ في لقاء الله تعالى؟ لماذا أرى اللهُ تعالى آيتَه الكبرى لرسوله الكريم؟ كيف يُمكن التخلّص من رؤية الذات، والتمكّن من رؤية الله تعالى؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۲)
5وكذلك انظروا على أساس هذه النظرة إلى سائر الموجودات! فحينما تنظرون إلى زيد لا تشاهدوا زيدًا! وإنّما انظروا إلى الله من خلاله، كذلك حينما تنظرون إلى عمرو أو تنظرون إلى الشجرة أو ترون البلبل أو تنظرون إلى الماء .. فلتروا الله في كلّ ذلك، لأنّ كلّ ذلك مظاهر، يعني هي محلّ ظهور الله، يعني هي ليستْ شيئًا من نفسها، وإنّما هي ظهور الله، فهي" مَجلى" بمعنى: محلّ تجلّي الله، وهي لا شيئيّة لها من ذاتها وإنّما هي مَظَهرٌ لله. فهذا حينما يراك وينظر إليك فإنّه لا يرى شيئًا غير الله، وهذا هو معنى قوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.
ما معنى" الأنفس"؟" الأنفس" تعني: أن تشاهد نفسك وتنظر إليها، أي تعال من الخارج وادخل في نفسك، فذات النفس هي آية من آيات الله .. هي آية كبيرة بل وأكبر آية، حتّى أنّ الكثير ملتزمون بأنّ آية النفس هي الأهمّ بالنسبة لسائر آيات الله، وأنّ الذين يرومون السير التكاملي عن طريق التفكّر بالنفس والتوجّه إليها، يصلون إلى هدفهم بشكل أسرع، لأنّهم يسيرون من خلال المرآة الأكبر، والتي هي توأمٌ مع ذات الإنسان، وأقربُ إليه من كلّ الأشياء، فيريدون أن يشاهدوا الله بواسطة هذه المرآة الواسعة.
فنحن نُظهرُ الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة حتّى يتّضحَ لهم أنّه هو الحقّ دون غيره، كم هو لطيف هذا الكلام؛ من أنّه لو تنظرون إلى وجود جميع هذه الموجودات بشكلٍ مستقلٍّ فإنّها باطلٌ بأجمعها، والله هو الحقّ فقط، ففي جميع العوالم أَنَّهُ الْحَقُ أي: الله دون غيره، فالله هو الحيّ، الله العليم، الله الحكيم، الله الخبير .. والله هو القدير، وليس لشيء من هذه الموجودات أثرٌ من هذه الأسماء والصفات.
﴿أَ ولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: إنّ لله اطّلاع وهيمنة وسيطرة، وكلّ الموجودات في قبضة الله ومشهودة له، وفي محضره؛ فهي في محضره تكوينًا ووجودًا ومندكّة في ذاته.
لا ينبغي الشكّ في لقاء الله تعالى!
﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾، فلا ينبغي أن يكون للإنسان شكّ في الله، كما ينبغي أن لا يكون لديه شكّ في لقاء الله، لأنّ جميع هذه الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة إنّما هي مظهرٌ لله، ولكن واقعهم: إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ فهؤلاء الناس في شكّ، يشكّون في إمكانيّة لقاء الله وإمكانيّة رؤيته، عجيب كيف أنّ هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ قد وقعتْ بعد قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ يعني: إنّ إظهارنا وإراءتنا للآيات الآفاقيّة والأنفسيّة، بل نفس الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة إنّما هي لأجل لقاء الله، فجميع هذه الآيات هي لقاء الله، إلّا أنّ هؤلاء الناس: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾؛ أي فليعلموا! أنّ الله محيط بكلّ بشيء، فأيّ شيء يمكن أن تسمّوه شيئًا فإنّه الله محيطٌ بوجوده وأسمائه وصفاته، وحقيقة ذاك الشيء مندكّة في أسماء الله وصفاته، يعني هو الله.
