
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (2)
الطريق الثاني
كيف تكون موجودات العالم بأسرها آيات إلهيّة؟ هل يُمكن ملاحظة الموجودات بكلا اللحاظين: الآليّ والاستقلاليّ؟ ما هي الأمور التي عبّر عنها الحقّ تعالى في القرآن بالآية؟ بأيّ معنى يُمكننا تفسير الآية الشريفة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ﴾؟ هل ينبغي الشكّ في لقاء الله تعالى؟ لماذا أرى اللهُ تعالى آيتَه الكبرى لرسوله الكريم؟ كيف يُمكن التخلّص من رؤية الذات، والتمكّن من رؤية الله تعالى؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۲)
3اللحاظان الآليّ والاستقلاليّ في الموجودات
فالماء الصافي أيضًا كذلك.. حاولْ أنْ تقفَ قربَ حوضٍ أو مسبح ماؤه صاف هادئ لا تموّج فيه، فانّك سترى صورةَ جميعِ الأشجار المحيطة بهذا المسبح أو الحوض، وصورة القمر والشمس والنجوم وحتى صورتك أنت، وكذلك الأشخاص الذين يقفون إلى جانب الحوض، أليس كذلك؟ هذا من جهة الإراءة، أي إنّ هذا الحوض يُظهرُ شيئًا غيرَه. أمّا لو كان للماء ذاتية، أي كان يُظهرُ نفسه، كأن يكون فيه موج مثلاً أو يكون فيه تلوث، فعندما يكون كذلك لا يعود قادرًا على أنْ يظهر غيره ولا تنعكس الصوَّرُ فيه.
المرآة كذلك، لها جهة ذاتية هي أنّها من زجاج، ولها وزن بضع كيلوغرامات، ظهرُها مطليّ بالزئبق .. هذه هي خصوصيات المرآة الذاتية. ولها جهة أخرى هي أنّها تظهرُ الغير. وكلّما كانت جهة الذاتية أقل ـ في نظر الرائي ـ كانت جهة الإراءة للغير أفضل... .
... المرآة الجيدة هي المرآة التي ليس فيها شيء من ذلك، وجهة الذاتية فيها قليلة بحيث لا تُبدي شيئًا من نفسها. فعندما تنظرون في المرآة لا ترون شيئًا غير أنفسكم، فهي تُبدي صورَكم أنتم، هكذا تكون المرآة وهكذا تكون الآية. إذن، هذا هو معنى الآية: فالآية تعني العلامة فقط دون إضافة شيء آخر.
القرآن المجيد يقول أن جميع هذه الموجودات هي آية لله تعالى. ماذا يعني هذا؟ يعني إنّها مرآة الله المشيرة إليه.
وهذا من مختصّات القرآن الكريم، وعجيب جدًا أنْ يعدّ القرآن جميع هذه الخصوصيات محصورة بالذات المقدسة لرب العالمين، وجميعها آية، هذا غريب جدًا!! فهو يحصرها بذات الله ويسميها جميعًا آية... .
الأمور التي عبّر عنها الحقّ تعالى في القرآن بالآية وتفسير آية إنّ في خلق السموات والأرض...
... وفي سورة البقرة نقرأ:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾۱.
ما أروع هذه الآية! فهي تثير العجب!! وما أوضح ما تبيّن به المطلب! تقول: إنّ في خلق السموات والأرض والاختلاف الذي يقع بين الليل والنهارـ فيكون النهار في بعض الأوقات أقصر من الليل، والليل أطول، وفي أوقات أخرى يكون العكس، وفي مختلف أرجاء الدنيا يشاهد في كلّ نقطة من نقاط الأرض هذا الاختلاف بنحو خاص بهاـ وفي السفن التي تسير فوق الماء بالناس والبضائع والأموال التجارية وتجول الدنيا من طرف إلى آخر بواسطة الرياح، فهذه بأجمعها آيات.
- سورة البقرة ٢، الآية ۱٦٤.
