
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (2)
الطريق الثاني
كيف تكون موجودات العالم بأسرها آيات إلهيّة؟ هل يُمكن ملاحظة الموجودات بكلا اللحاظين: الآليّ والاستقلاليّ؟ ما هي الأمور التي عبّر عنها الحقّ تعالى في القرآن بالآية؟ بأيّ معنى يُمكننا تفسير الآية الشريفة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ﴾؟ هل ينبغي الشكّ في لقاء الله تعالى؟ لماذا أرى اللهُ تعالى آيتَه الكبرى لرسوله الكريم؟ كيف يُمكن التخلّص من رؤية الذات، والتمكّن من رؤية الله تعالى؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۲)
2بسم اللَه الرّحمن الرّحيم
الحمدُ لِله ربّ العالَمين
والسّلام على خيرِ خَلقه محمّدٍ وأهلِ بيته أجمَعين
ولعنةُ اللَه على أعدائهم إلى يوم الدّين
موجودات العالم بأسرها آيات إلهيّة
هناك طريق آخر للاستدلال وهو: أنّ القرآن المجيد يَعدُّ جميعَ الموجودات، من الموجودات الأرضيّة والسماويّة، ذوات النفوس وغيرها .. يَعدُّها جميعًا آيات .. ويقول: إنّها آيات الله.
سأوضّح لكم في البداية معنى الآية لنرى ماذا يريد القرآن أنْ يقول، وعلى أيّ معنى يريد أنْ يطلعنا عندما يسمّي هذه الموجودات كلّها باسم "الآية". فالآية تعني العلامة والمشير.
أمّا العلامة، فإنّ الشيء الذي تنظرون إليه في هذا العالم على أنّه علامة، هو الشيء الذي له جهتان: جهة ذاتية، وجهة علامتيّة آيتيّة أي بالنسبة إلى الغير. أليس كذلك؟! فاللافتة التي تجعلونها عند باب الدار لتدلّ على أنّ هناك مجلس عزاء، هذه اللافتة لها جهة ذاتية استقلالية وهي التي تتمثل بكونها خضراء اللون، خشبها كذا ... قدْ عُلّقت في ذلك الموضع من الجدار وكُتبَ عليها كذا وكذا .. سواء كُتبَ عليها بالحبرِ أم طُرزت بالخيوط .. هذه مثلاً هي الجهات الخصوصية الذاتية للّافتة.
الجهة الثانية هي الجهة الآيتيّة، أي إنّها تشيرُ إلى انعقاد مجلسٍ في هذا البيت وأنّ الناس مدعوّون إليه. إذنْ، فيها جهة آيتيّة، أليس كذلك؟
أمّا الشيء الذي لا يكون له جهة ذاتيّة على الإطلاق، وليس له إلا جهة يدلّ فيها على الغير فهذا هو الآية المحضة. مثلاً، افرضوا أنّ لدينا نظّارة ننظرُ بواسطتها، فهذه أيضًا لها جهة ذاتية وأخرى آيتيّة. ما هي جهتها الذاتية؟ هي أنّ زجاجها أبيض، دائريّ أو مستطيل الشكل، صنعَ في مصنع معين ... هذه هي الجهة الذاتية فيها، وأمّا الجهة الآيتيّة: فهي أنّها تُظهر الغير وتحاكيه فقط؛ فإذا أراد الإنسان أن ينظر إلى ذات النظّارة فسوف لن يرى بواسطتها أيّ شيء، مثلاً إذا أراد أن يتأمّل النظارة وتحديد نوعيّة زجاجها هل فيه تموّج أم لا؟ أين صنعت؟ كيف شكلها؟ فسوف لا يرى شيئًا أصلاً، وأمّا عندما يضعها على عينيه ولا يلتفت إلى زجاجها، فحينها بواسطة نفس هذا الزجاج يتمكن من رؤية الغير، وسوف يرى جميع الموجودات بواسطتها. هذه هي جهة الحكاية والإراءة، وهي حيثيّة الآيتيّة، أي جهة الإظهار والإبراز.
