
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (2)
الطريق الثاني
كيف تكون موجودات العالم بأسرها آيات إلهيّة؟ هل يُمكن ملاحظة الموجودات بكلا اللحاظين: الآليّ والاستقلاليّ؟ ما هي الأمور التي عبّر عنها الحقّ تعالى في القرآن بالآية؟ بأيّ معنى يُمكننا تفسير الآية الشريفة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ﴾؟ هل ينبغي الشكّ في لقاء الله تعالى؟ لماذا أرى اللهُ تعالى آيتَه الكبرى لرسوله الكريم؟ كيف يُمكن التخلّص من رؤية الذات، والتمكّن من رؤية الله تعالى؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۲)
7اى آفتاب آئينه دار جمال تو *** ...۱و٢ أي إنّ الشمس حاكية لجمال الله، ولكنْ هناك مرآة كلّ شيء فيها مشهود وجليّ، ألا وهي المرآة الكبرى.
النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بلغَ ذلك المقام الذي أظهر الله له تلك الآية الكبرى وأراه إيّاها، يعني: قدْ اندكّ وجوده وانمحى في الاسم الأعظم وفي التجلّي الأوّل، فأراه المرآة الإلهيّة في مقام الأحديّة ومن نقطة نظر مقام الواحديّة؛ يعني: ذات الله المقدّسة، وهو قد فني فيها، وأصبحَ متحقّقًا في اسم الواحديّة في مقام البقاء، هذا الاسم الذي تندكّ فيه جميع الموجودات وتفنى فيه كلّ هذه الآيات، فمن خصوصيّة هذه المرآة أنّها من جهةٍ تُري الذات وتظهرها ومن جهةٍ أخرى فإنّ جميع المرايا وكلّ تلك الآيات مندكّة في هذا الاسم، فهي آية عجيبة ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾.
رؤية الذات أو رؤية الله تعالى
حسنًا .. هذه الليلة قد استدللنا على امكانيّة لقاء الله بواسطة هذين الطريقين المصرَّح بهما في القرآن المجيد؛ أحدهما بواسطة مفهوم الآية [الذي توصف به الموجودات فتسمّى آيات]، والآخر بواسطة تلك الآيات الدالّة على انحصار السمع والبصر والعلم والقدرة وغيرها في الذات المقدّسة لله، والتي على الإنسان أنْ يسعى بالتدريج للوصول إليها والتحقّق فيها بحول الله وقوّته، وذلك بواسطة العلم والعمل ليبلغَ مرحلة لا يعود يرى الجنبة الذاتية لهذه الآيات وإنّما ينكشف له بواسطتها الجانب الإلهيّ.
حقّ بين نظرى بايد، تا روى تو را بيند *** چشمى كه بوَد خود بين، كى روى تو را بيند٣و٤ فبالمقدار الذي ينحسر النظر الاستقلاليّ، فسوف يقوى النظر إلى الله ويزيد، وكلّما ازداد النظر إلى الجهة الاستقلاليّة فإنّ الجنبة الآيتيّة سوف تضعف وتنحسر، ولا يعود الإنسان يرى الله، فلو أخذتَ مرآة سالمة ثمّ وضعت يدك عليها أو خرّبتها، أو تمسح الزئبق من خلفها وتجرحها وما شابه ذلك .. فسوف تُظهرُ هذه المرآة تلك الخطوط المتعاكسة إلى الحدّ الذي تخاف أنتَ من صورة نفسك! فترمي بها على الأرض وتكسرها، والحال أنّه لا يوجد مرآة أخرى. هكذا حال الإنسان من أثر المعصية، فإنّ جنبة الرؤية الذاتيّة والاستكبار والاستقلال تزداد عنده إلى الحدّ الذي لا يستطيع معه أنْ يرى الله، وعلى العكس من ذلك فيما إذا تقدّم في خطى الطاعة، فإنّ نظره الاستقلاليّ ينحسر، ويرى الله.٥
- في خطاب لمعشوقه ومحبوبه، يقول له: أيّها الإنسان الذي تكون الشمس بالنسبة لك كالمرآة تظهر جمالك، هذا الجمال الذي هو وجود الأشياء، فكلّ هذه الموجودات الموجودة في العالم موجودة، إلّا أنّها ليست ظاهرة بدون الضوء والنور، والشمس مثل المرآة وهي السبب المظهرُ للجمال.
- ديوان حافظ، طبعة پژمان، الغزل ٤۱٦:[يقول: يا من تحمل الشمس المرآة لجمالك والمسكُ الأسود المجمرة لخالك].المحقّق
اى آفتاب آيينه دار جمال تو *** مشك سياه مجمره گردان خال تو - [يقول:] لا بدّ أن يكون الشخص يرى الحقّ حتّى يرى صورتك، فعين الأحول الذي لا يرى إلّا نفسه لا ترى جمالك وصورتك.
- ديوان أشعار السيّد عماد نسيمي. المحقّق
- آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، تفسير آية النور، المحاضرة الخامسة. وقد عملت الهيئة العلميّة على مقارنة النصّ المترجم بالأصل الفارسي وإجراء التعديل إن لزم الأمر.
