
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (1)
الطريق الأوّل
كيف يُمكننا استنباط مسألة انحصار الصفات الحسنة والكماليّة بالله تعالى من الآيات القرآنيّة الكريمة؟ بأيّ نحو ترجع كلّ أنواع الحمد والثناء إلى الله تعالى؟ لماذا ينظر بعض الأفراد إلى الموجودات بنحو مستقلّ؟ هل يوجد في عالم الوجودِ وجودٌ واحدٌ فقط مستقلّ بالذات؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۱)
5افتح عينك لترَ أنّ جميع الموجودات قائمة به؛ تمامًا كما قال النبي يوسف لصاحبيّ السجن: ﴿أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾۱.
أي: أرباب من البشر متفرقون ومشتّتون ومختلفو الآراء تعتمدون عليهم وتلجؤون إليهم طالبين منهم ما تريدون خيرٌ أم الله الواحد القهار؟! الذي بواسطة قهره وسيطرة جلاله اندكّت الموجودات كلّها في عظمته وجلاله، فهو إله واحد فقط ذو الجلال والإكرام، أولئك خيرٌ أم هذا؟ إذن لا قيوم في العالم إلا الله، ولا حيّ إلا الله.
رجوع كلّ أنواع الحمد والثناء إلى الله تعالى وتفسير عبارة الحمد لله
من جهة أخرى، لدينا في أبواب الأذكار: «الحمد لله»، وفي القرآن المجيد في كثير من المواضع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾٢، إلّا أنّه في موضع واحد ورد: ﴿لِلَّهِ الْحَمْد﴾٣؛ هنا أيضا الألف واللام للجنس، وهو حملٌ إخباريّ معرّف بالألف واللام على المبتدأ، أو أنّه مبتدأ معرفٌ بألف ولام ممّا يفيد الحصر. «الحمد لله» يعني أنّ جنس الحمد منحصر بالله تعالى.
الحمد يعني المدح والثناء والتمجيد. فالإنسان يقوم بالكثير من المدح والثناء للموجودات، نحن مشغولون ليلاً نهارًا بالمدح والثناء والتمجيد، حيث نقول: يا لهذا الهواء الربيعي! يا له من نسيم منعش! ما أجمل هذه الشمس! ما أروع هذا العلم الذي تبتهج له القلوب! ما أروع ذلك القمر المشعّ في الليل! ما أجمل شجرة السرو هذه! ويا لهذا الماء الزلال! يجلسُ الإنسان قرب الجدول ويرمي بنظره إلى تلك المناظر الخلابة من الجبال فيأخذ بتمجيدها ... جمال الإنسان وكماله، طول الحسناء، طول شجرة السرو، العين الواسعة كعين الغزال، الكمال العلمي: فلان يمتلك ذلك الفنّ، يا له من إنسان جيد، يا له من كامل!!! في النهاية كلّ ذلك تمجيد نحن نقوم به.
يضع الإنسان أمامه دجاجة ويأخذ بالتأمّل فيها: كيف هو منقارها؟ وكيف معدتها؟ وكبدها ورجلها؟ كيف تصيح؟ وكيف هم فراخها؟ هذا كلّه حمد، كلّ هذا الحمد الذي نقوم به هو لله تعالى.
تضعون أمامكم باقة من الورد، تقولون: ما هذا الورد؟! كم هو جميل؟! ما أجمل رائحته؟! كم تبدو خلّابة هذه الورود المزركشة بين الأغصان الخضراء؟! كم يضفي على الرائي من النضارة؟! يا له من شيء جميل؟! هذه التمجيدات هي لله تعالى.
- سورة يوسف، ذيل الآية ٣٩.
- سوره الفاتحة، صدر الآية ٢. المحقّق
- سوره الجاثية، جزء من الآية ٣٦. المحقّق
