
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (1)
الطريق الأوّل
كيف يُمكننا استنباط مسألة انحصار الصفات الحسنة والكماليّة بالله تعالى من الآيات القرآنيّة الكريمة؟ بأيّ نحو ترجع كلّ أنواع الحمد والثناء إلى الله تعالى؟ لماذا ينظر بعض الأفراد إلى الموجودات بنحو مستقلّ؟ هل يوجد في عالم الوجودِ وجودٌ واحدٌ فقط مستقلّ بالذات؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۱)
3في الواقع الآية تقول: ﴿لَا إِلَهَ﴾ فعلى ماذا يدل ذلك؟
هو يعني أنّ كلّ هذه المعبودات التي اتخذتموها لأنفسكم وجعلتموها في مقابل الله "غير الله" هي كلها ليست في حقيقتها سوى تجلّ لله تعالى، فنفس الصنم والأب والأم والنجم والشمس والقمر الذين اتخذتموهم آلهةً في مقابل الله، حقيقتهم أنّهم تجلّ لله تعالى، إذن لا وجود لمعبود غير الله.
كلّ من توجّه إلى معبودٍ من المعبودات فإنّما يتوجّه في الحقيقة إلى الله ويبحث عنه، وكل معبودٍ يُعبدُ ففي الحقيقة إنّ الله هو ذلك المعبود، غاية الأمر أنّ عينَ العابد كانت في هذه الدنيا عمياء، وقد قيّدتْ الله في مرآة محدودة، وهنا يكمن ذنبه وشركه، فقد قيّدَ اللهَ في الشمس والقمر وأمثالهما، ولو ارتفع هذا التقييد وظهرتْ الحقيقة فسيتضّح أنّ حقيقة نفس هذه الشمس وهذا القمر ليست شيئًا سوى الله. ولذلك يوم القيامة حيث يرتفع الحجاب وتتبين الحقائق جليّة، فإنّ الكثير من المشركين يقولون: إلهنا، ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾۱.
نعم، تدلّ آيات القرآن على هذا المعنى، أي القرآن يقول: إنّهم كانوا في الدنيا من المشركين الذين عبدوا غيرَ الله، غيرَ أنّهم في الآخرة يقولون ويعترفون بأنّهم لم يكونوا يعبدون غير الله. هناك حيث كشفَ الغطاء، يفهمون أنّ حقيقةَ ما كانوا يعبدونه ليست سوى الله.
إذنْ، معنى ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ أنّ كلّ عابدٍ مهما يعبدُ، فإنّه يعبدُ الله، والذنب الأوحد إنّما ينشأ بسبب تقييد الله وتحديده بحدٍّ معيّن. فلماذا يقيّد الإنسان الله سبحانه؟! ارفع هذا التقييد، فإنّ حقيقة جميع الأشياء وحقيقة الحقائق هي ذات الله المقدسة.
﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، كلمة ﴿الْحَيُّ﴾ ليست صفة للضمير هُوَ، وإنّما هي خبر ثانٍ للمبتدأ لفظ الجلالة اللّهُ، أي: الله الحيّ، وكذلك ﴿الْقَيُّومُ﴾ خبر ثالث: الله القيوم.
ما معنى: الله الحيّ؟
إنّها تعني أنّ الله تعالى هو الحيّ فقط.
التفتوا جيّدًا! نحن عندما ندرس كتاب "المطوّل"، لكي يفيدنا هنا في هذا المقام ...
عندما نقول: "هو البطل المحامي"، ففي المثال الذي ندرسه هناك ـ في المطوّل ـ فإنّ الألف واللام في "البطل" للجنس أيّ إنّه هو الشجاع فقط، جنس الشجاعة منحصرٌ فيه، كأنه لا وجود لغيره في عالم الشجاعة.
- سورة غافر، جزء من الآية ۷٤.
