
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (1)
الطريق الأوّل
كيف يُمكننا استنباط مسألة انحصار الصفات الحسنة والكماليّة بالله تعالى من الآيات القرآنيّة الكريمة؟ بأيّ نحو ترجع كلّ أنواع الحمد والثناء إلى الله تعالى؟ لماذا ينظر بعض الأفراد إلى الموجودات بنحو مستقلّ؟ هل يوجد في عالم الوجودِ وجودٌ واحدٌ فقط مستقلّ بالذات؟ هي تساؤلات سعت هذه المقالة إلى الإجابة عنها بنحو مختصر وواضح.
طريقان بديعان ودقيقان لإثبات إمكانيّة لقاء الله (۱)
7﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾. ما هو آخر قولهم؟ ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾؛ أي تمام مراتب الحمد مختصّة بالله تعالى. أي إنّ الظهورات التي كانتْ في عالم الدنيا وتلك التي كانت في عالم البرزخ وفي عالم القيامة من حورِ العين والعسل والرضوان الإلهي .. جميع الخصوصيات .. وأرواح الأنبياء وأرواح الملائكة ... كلّ هذه الظهورات هي ظهورات الله .. الحور العين ظهور الله، الملائكة ظهور الله، الأنبياء ظهور الله، ولا شيء غير الله، وكلّ هذه المحامد منحصرة به. وآخِرُ دَعْواهُمْ يعني: آخر دعوى أهل الجنة أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فالتفتوا وانتبهوا! لا تنسوا هذا واحتفظوا به!
إذنْ، الحمد أيضًا من مختصات الله. عندما تمدح الوردة فأنت تمدح الله، إذن افتح عينك لترَ الله، فإنّه لا وجود للوردة أصلاً، ولا شيء يستحق الحمد غير الله، إذن أنت عندما تمدح الوردة إنّما ترى الله وتمدحه، فلماذا تنكرُ الله في نفس الوقت الذي تراه فيه وتمدحه؟!
الآيات التي تحصر العلم والقدرة بالله تعالى
ومن جملة الآيات أيضًا قوله تعالى: ﴿وهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾۱: الذي يحصر العلم والقدرة به تعالى، ومنها قوله: ﴿وهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾٢: الذي يحصر العلم والحكمة به تعالى، ومنها قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾٣، و ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾٤: الذي يحصر السمع والبصر بذاته، ومنها قوله: ﴿وهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾٥: أي إنه تعالى هو الذي يحلّ العقد والمعضلات وهو العليم.
فكلّ هذه الآذان، وكلّ هذه الأعين، وكلّ هذه القدرات، وكل هذه العلوم التي وجدت عند البشر، وجميع هؤلاء العلماء الذين جاؤوا إلى الدنيا ومضَوا تاركين ذخائرًا من العلوم، فهذه العلوم موضوعة كلّها في صندوق صغير مغلق، وهي مختصة بالله، ولا يمكن لموجود أنْ يدّعي ويقول: أنا السميع، أنا البصير .. فالسميع والبصير هو الله، ألا تؤدّي هذه الآيات معنى الحصر؟!
ويُعتبر ذلك من مختصات الشريعة الإسلامية المقدسة، ومن مختصات القرآن الكريم، وهو ما لا نراه في أيٍّ من مذاهبِ فلاسفة الدنيا ومدارسهم، ولا في أيّ كتاب من الكتب السماوية، فلا نجد في سائر الملل أثرًا لذلك حتى الإلهية، فهل يقولون: الحمد لله؟؟ كلا! فهم يقولون: حمدًا لله .. أو الله مستحقّ للحمد .. الله سميع كذلك ... إلّا أنّ كلّ ذلك غير قولنا: إنّ جميع مراتب السمع وجميع مراتب الحمد لها اختصاص بالله. فهذا الذكرُ من مختصات النبيّ الأكرم الذي فتح نافذته أمام وجه الأمّة، وليس هناك أيّة أمّة ولا مذهب يمتلك مثل هذا النوع من الذكر، وكم هو عال ورفيع!
- سورة الروم، ذيل الآية ٥٤.
- سورة التحريم، ذيل الآية ٢.
- سورة الأنعام، ذيل الآية ۱٣.
- سورة الشورى، ذيل الآية ۱۱.
- سورة سبأ، ذيل الآية ٢٦.
