لقد تكرّر ذكر لقاء الله في القرآن الكريم والروايات الشريفة، ولكن ما هي حقيقة هذا اللقاء؟ وكيف للإنسان أن يرى الله ويلقاه وهو ليس بجسمٍ يُرى بالعين؟! وكيف يمكن أن يدركه وهو الذي لا تدركه العقول والأوهام؟! تجيب هذه المقالة، المستخلصة من محاضرة للعارف الربانيّ سماحة العلامة السيد محمد حسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه، عن هذا السؤال العميق بأسلوب مختصر يفتح آفاق الفهم والتأمل.
ما هي حقيقة لقاء الله؟
5{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}۱ أي منذ الزمن الأوّل إلى الزمان الذي تحقّق فيه وجود، من الزمان الذي خلقَ فيه الموجودات، لم يكن يتنازل الله عن مقام عزّه لحظة من اللحظات؛ فالله هو الله الذي لا يتنازل ولا يأتي إلى الأسفل!
فماذا يجب أنْ نفعل؟ يجب أنْ نعترفَ بأنّنا يا ربّ، لسنا شيئاً مقابل وجودك، نحن عدم محض مقابل وجودك، وهذا الاعتراف إذا وصلَ إلى مرحلة التحقّق يكون هو حقيقة الفناء، وفي مرحلة الفناء لا يوجد إلاّ الله.
إنّ ذات الله غير قابلة للإدراك، وهذا صحيح لأنّه لا يمكنُ للغيرِ أنْ يدركَ ذات الله، وأمّا في مرحلة الفناء، فإنّه لا يوجد تشخّصٌ لأيّ ذات غير الله لتكون هي المدركة لله، فالإنسان أصبحَ فانياً، ولا شيء بعد، فلا يوجد غير الله، فالله هو العارف لذاته، وهو المدرِك لنفسه، وهو البصير والسميع بذاته، فلا غيرَ هناك.
إنّ هذا الأمر إنّما يحصلُ بعد تحقّق المعرفة التامة للإنسان والتي تمثّل وصول الإنسان إلى مقام الفناء المطلق، وإلاّ من المستحيل تحققها قبل ذلك للإنسان. إذاً، الدرجة الكاملة من المعرفة تحصل في الفناء فقط.٢
- سورة فاطر (٣٥) مقطع من الآية ۱٥.
- [ملاحظة: تمّ انتخاب هذا البحث من المحاضرة الرابعة من محاضرات تفسير آية النور (العرفان هو الطريق الأوحد لمعرفة الله التامة) ، لسماحة العلامة آية الله الحاج السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهراني قدّس الله نفسه الزكيّة، وقد تمّت مقابلة النصوص مع النسخة الفارسيّة من قبل الهيئة العلميّة في لجنة الترجمة والتحقيق]

