لقد تكرّر ذكر لقاء الله في القرآن الكريم والروايات الشريفة، ولكن ما هي حقيقة هذا اللقاء؟ وكيف للإنسان أن يرى الله ويلقاه وهو ليس بجسمٍ يُرى بالعين؟! وكيف يمكن أن يدركه وهو الذي لا تدركه العقول والأوهام؟! تجيب هذه المقالة، المستخلصة من محاضرة للعارف الربانيّ سماحة العلامة السيد محمد حسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه، عن هذا السؤال العميق بأسلوب مختصر يفتح آفاق الفهم والتأمل.
ما هي حقيقة لقاء الله؟
4{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}۱.
فالنبيّ بُعثَ للتطهير والتزكية، ليوجدَ سنخيّة بينهم وبين ذاك العالم، ويجعلهم مشابهين له.
فالمرحلة الأولى من المشابهة هي: «التخلية»، والتخلية تعني: أنْ يخلّي الإنسان نفسه من جميع صفاته السيّئة، ويترك النقص، ويبتعد عن التعلّق بالكثرات التي تبعده عن عالم النور وعالم الإطلاق..
فأولاً يترك المعصية، ويترك كلّ ما يخالف رضا المحبوب، لأنّه يريد أنْ يذهبَ إلى منزل المعشوق ويطرقُ بابه، وحينما يقوم بالتعدّي، وبمخالفة رضاه، فلا فائدة حينئذٍ من دقّ الباب؛ لذلك فإنّ أوّلَ الطريق هو «التخلية»، ولهذا قد ورد في جميع الروايات أنّه لا يمكن للإنسان أنْ يطوي مسيره وسيره مع وجود المعصية، بل عليه أولاً أنْ يهجرَ المعصية ويتركَ كلّ ما لا يرضيه.
وفي المرحلة الثانية يأتي دور «التحلية»، يعني: صيرورته متحلّياً بصفات الكمال، فتصبح عبادته جيّدة، ويواظب على الإتيان بالمستحبّات؛ ينفق، يصل الرحم، يحجّ، كلّ عملٍ حسن يواجهه يقوم به، حينئذٍ يكون قد أخرج نفسه من دائرة السوء، وأصبحت نفسه موسومة بالحسن ومتصّفة به؛ وهذه هي الرتبة الأعلى.
والدرجة الثالثة هي «التجلية»، والتجلية تعني: أنْ يصبحَ متجلّياً بصفات الله؛ ففي هذه المرحلة تشرع التجلّيات، ويبدأُ الله بإراءة نفسه للإنسان، فتارة يتجلى بواسطة صفة القادر، وأخرى بواسطة صفة العالم، وتارة صفة الرحمان، وأخرى صفة الرحيم، فيظهر ويتجلّى في جميع المظاهر الوجوديّة، فيشرع بالتجلّيات.
والمرتبة الرابعة هي مرتبة «الفناء»: وحينما تنتهي مرحلة التجلّيات الأسمائية والصفاتية، يصل إلى آخر مرحلة من اللقاء، وهي مرتبة "الفناء"؛ فمن يطوي الطريق سوف يصل إلى مرحلة يدَعُ فيها كلَّ شيءٍ بعهدة الله، ويعترف ويذعن لله بأنّك: يا إلهي! ليس لي شيءٌ من الوجود، ولا علمَ لي، وليس لي أيّة قدرة، ولا حياة، ولا أيّ شيءٍ أصلاً، فكلّ ذلك لك وحدك وأنتَ أعطيتني، فيعترفَ ويقرّ، وعلاوة على الاعتراف باللسان فإنّ قلبه يصرّح بذلك أيضاً ويصبحُ مفوّضاً، وهنا يكون قدْ وصلَ إلى مقام الفناء.
وفي مقام الفناء يتعرف الإنسان على الله بشكل كامل، لأنّ الله غيور، وغيرته لا تجيزُ بدخول الغير، ليردوا إلى حرمه؛ لأجل ذلك فمن أراد أنْ يعرفَ الله، فما دام إنساناً وشخصاً متعيّناً، يصدقُ عليه اسمٌ وعنوانٌ، وتصدق الإثنينيّة، فإنّ ذلك حاجبٌ وحائلٌ بينه وبين الوصول، ولن يمكنه الصعود والترقّي، لأنّ الله لا ينزل من مقامِ عزّه إلى الأسفل!! فالله عزيز.
- سورة الجمعة (٦٢) صدر الآية ٢.

