
العرفاء والمسؤوليّة الاجتماعيّة والسياسيّة
المشيئة الإلهيّة في السرّاء والضرّاء
ما صحّة ما ينسب إلى العرفاء من انزوائهم واعتزالهم عن الحياة والمسؤوليّات الاجتماعيّة والسياسيّة؟ وكيف يتصدّى العرفاء لذلك؟ وما هي أهدافهم حين تصدّيهم؟ وما هو موقع المشيئة الإلهيّة في نظرتهم وأهدافهم؟ وكيف ينظرون إلى حالتي السرّاء والضرّاء والنجاح والفشل؟ يجيب هذا المقطع عن هذه التساؤلات باختصار.
العرفاء والمسؤوليّة الاجتماعيّة والسياسيّة
3فبمجرّد أنّ يمضي بعض الناس باسم التصوّف والدراويش وأمثالهم في طريق الانعزال ويظهرون أنفسهم على أنّهم لا أباليين أمام القضايا، لا يكفي ذلك لاتّهام أهل العرفان. أنتم الذين تتّهمون العرفاء كم نزلتم إلى هذا الميدان وكم احترقت قلوبكم من أجل مصالح المسلمين ومفاسدهم وكم خصّصتم من رأسمالكم لخدمة الخلق؟! كلّ هذا الكلام هو بسبب عدم الاطّلاع وعدم الفهم الصحيح للمسائل العرفانيّة.
العارف هو من يشعر بالمسؤوليّة تجاه خلق الله أكثر من أيّ اجتماعيّ وفقيه وسياسيّ، ويطبّق المشيئة والإرادة الإلهيّة في هذا العالم بالنحو الأتمّ والأكمل والدقيق وبدون أيّ تغيير، لا مَنْ إذا صادف ما يخالف أمنياته انهار ونادى بالويل والثبور، فهذا محض رغبات نفسيّة وما هو بالعرفان.
التزام أمير المؤمنين عليه السلام بالمشيئة الإلهيّة في صفّين
العارف هو من إذا انهزم بعد ثمانية عشر شهرًا من القتال ضدّ معاوية۱، يبقى ثابتًا وكأنّ شيئًا لم يكن ويقول: لقد قمنا بواجبنا. العارف هو من لا يقاتل معاوية لكي ينتصر عليه، لأنّه يراه واحدًا من مظاهر الله، ومنذ البداية يعلم أنّ مشيئة الله تعلّقت ببقائه. فلو سألوا: هل سننتصر يا عليّ في هذه المعركة؟ لقال لهم من البداية: لن ننتصر٢ ولكنّه يقول في الوقت نفسه للنّاس: سيروا وانطلقوا وقاتلوا وتخلّصوا منه.
أجل، العارف هو أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا وجود لشيء آخر سوى الحقّ في عمله وفكره وسرّه وخاطره. أمّا الآخرون فليس لهم سوى ادّعاء هذا الإمام، والله يقول أيضًا: هذا ادّعاؤكم، ولكنّ مشيئتي وتقديري في تدبير العالم تدور حول محور آخر. يقول الله: إنّ ملكيَّ جبرائیل وميكائیل يحملان أوامر خاصّة وليسا مطيعَين لكم. فما دامت المشيئة مشيئتي فكونوا صادقين مع الناس ولا تعِدوهم كذبًا، وتقدّموا بهم في طريق الأهداف الحقيقيّة، ولا تبثّوا في المجتمع الكذب والشائعات والمجاز والتوقّعات التي هي في غير مواضعها!
التزام الإمام الحسين عليه السلام بالمشيئة الإلهيّة في عاشوراء
قال الإمام الحسين عليه السلام للنّاس: إنّ هدفي هو من هذا القبيل، فنحن نسير ونُقتَلُ في سبيل هذا الهدف أيضًا، فمن شاء فليلتحق بنا.٣ لا يريد الإمام أن يخدع الناس عابثًا. فما عند الإمام هو رضا الله فحسب، لا تحقّق هداية الناس، فلو أراد كلّ الناس أن يكونوا بغير دين فلا علاقة للإمام بذلك، فهم يحملون مسؤوليّة ذلك أمام ربّهم.
- إرشاد القلوب للديلمي، ج ٢، ص ٢٤۸.
- وطبعًا هو لا يخبر بذلك إلا أصحابه المقرّبين؛ لأنّه لو أخبر الجميع فلن يتحرّك أحد من مكانه. أمّا في معركة النهروان فإنّه يخبر من البداية أنّه يقتل منّا تسعة ويبقى منهم تسعة. (مناقب آل أبي طالب، ج٢، ص ٢٦٣).
- كشف الغمّة، ج ٢، ص ٢٩. لمعات الحسين عليه السّلام، ص ٣۸: «مَن كانَ فينا باذِلًا مُهجَتَهُ، و مُوَطِّنًا على لِقاءِ اللَهِ نَفسَهُ، فَليرحَل مَعَنا؛ فَإنَّنى راحِلٌ مُصبِحًا إن شاءَ اللَهُ تَعالى».
