
العرفاء والمسؤوليّة الاجتماعيّة والسياسيّة
المشيئة الإلهيّة في السرّاء والضرّاء
ما صحّة ما ينسب إلى العرفاء من انزوائهم واعتزالهم عن الحياة والمسؤوليّات الاجتماعيّة والسياسيّة؟ وكيف يتصدّى العرفاء لذلك؟ وما هي أهدافهم حين تصدّيهم؟ وما هو موقع المشيئة الإلهيّة في نظرتهم وأهدافهم؟ وكيف ينظرون إلى حالتي السرّاء والضرّاء والنجاح والفشل؟ يجيب هذا المقطع عن هذه التساؤلات باختصار.
العرفاء والمسؤوليّة الاجتماعيّة والسياسيّة
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد للـه ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ورسول ربّ العالمين
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
التزام رسول الله صلّى الله عليه وآله بالمشيئة الإلهيّة في دعوته وحروبه
في معركة أحد حين يأتي خالد بن الوليد بخمسمائة مقاتل ويهزم الجمع ويقتلعهم ويفرّ بعض منهم۱ ولا یبقى حول النبيّ إلا ثمانية (كأمير المؤمنين وطلحة والزبير وأبي أيّوب الأنصاري)، ويُشجّ جبينه، وتدخل فيه حلقات خوذته، ففي وضع كهذا حيث سيطر الألم على وجود النبيّ، وجرى الدم من رأسه ووجهه المباركين، يأتي جبرائیل ویقول: إنّ الله أعطاك هذه القدرة وأنا تحت أمرك.
عندها يقول النبيّ: «اللهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون».٢ فلو أنّ الأمر اتّضح لهم ورجعوا إلى أنفسهم لما صنعوا ذلك.
فلو دعا عليهم لقُضيَ عليهم أجمعين، ولكنّه كان سيبقى حينها في تلك المرتبة الوجوديّة، ذلك الشرف الذي يفوق به النبيّ سائر الأنبياء هو أنّه سكت ولم يستعمل هذه القدرة وقال: فما دام الله مشرفًا على كلّ شيء فلماذا أدعو عليهم أنا؟ فلو أنّ الله كلّف بالدعاء عليهم لاختلف الأمر، ولكن ما دام النبيّ يريد أن تكون له أعلى درجة وأرقى مرتبة، ويمكنه أن يبذل، والله أيضًا يحقّق له ما يريد ولا تحصل أيّة مشكلة، فلو لم يفعل ذلك سيكون قد خسر. وهنا يتفاوت الناس حسب نوع الامتحان والقدرة والسعة وردود الأفعال.
بناء على ذلك فالمسألة هي أنّ الطريق إلى الله هو عبارة عن التسليم أمام رضى الله ومشيئته؛ لأجل تربية النفس في مجال الحياة الاجتماعيّة بكافّة مشكلاتها وجوانبها. ولذلك فإنّ الله يقدّر لكلّ إنسان من الأحداث ما يناسبه حسبما يراه له من الصلاح ووفق مشيئته وإرادته. وهذه النقطة المهمّة هي محور سلوك الإنسان وحركته، ثمّ هناك من يقبل بذلك وهناك من يرفض.
التزام العرفاء بالمشيئة الإلهيّة في نشاطهم الاجتماعيّ والسياسيّ
وما يقال من أنّ العرفاء يعزلون أنفسهم عن المسائل الاجتماعيّة ومصالح المسلمين، ويذكرون الله منزوين هو مجرّد اتّهام لهم، ومن يفعل ذلك فليس بعارف. فمن الذي قال إنّ العارف هو الذي يجلس في زاوية ويذكر الله ويجتنب مصالح المسلمين ومفاسدهم؟!
- المغازى، ج ۱، ص ٢٣۷.
- إعلام الورى، ص ۸٣؛ عيون الأثر، ج ٢، ص ٣٩۸. سفينة البحار، ج ٢، ص ٦۸۱: «قالَ القاضى عياض فى الشِّفاءِ: و رُوِىَ انّه لمّا كُسِرَت رباعيّتُه و شُجَّ وجهُهُ يومَ أحُدٍ، شَقّ ذلكَ على أصحابِهِ شديدًا و قالوا:" لو دَعَوتَ عليهم!" فقالَ:"إنّى لم أُبعَث لَعّانًا، و لكنّى بُعِثتُ داعيًا و رحمةً؛ اللّهمَّ اهدِ قَومى فإنّهم لا يعلمون!"» ( المحقق)
