
هل العرفان والتصوّف أمرٌ واحدٌ؟
العلاقة بين العرفان والتصوف.
هل العرفان والتصوّف مفهومان منفصلان تمامًا أم أنّ مفهومهما واحد؟ ما هي الغاية النهائيّة للعرفان والتصوّف؟ هل يقتصر العرفان والتصوف على المعرفة النظرية بالله، أم يُؤكّدان على العمل والسلوك أيضًا؟ ما هي السمات التي يُمكننا من خلالها التمييز بين العرفاء والمتصوّفة الحقيقيّين والمدّعين؟ ما هو أكبر خطر يواجه السالك في طريق العرفان والتصوف؟ هل يتعارض العرفان والتصوف مع الشريعة، أم يُكمّل بعضهما البعض؟ لماذا يضع بعض الناس العرفان والتصوف في مقابل الشريعة؟ تسعى المقالة الحالية إلى الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل مختصر وواضح. المصدر: السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ، حريم القدس، ص 77؛ العلاّمة السيّد محمد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، مطلع أنوار (فارسي)، ج 5، ص 37.
هل العرفان والتصوّف أمرٌ واحدٌ؟
4[يقول: أنا الذى صرت ملولاً من أنفاس الملائكة والحديث معهم، تحمّلت لأجلك كلام الناس وأذاهم].
ذلك المقام الذي يقول عنه رسول الإسلام الأكرم: «لِي مَعَ اللهِ وَقْتٌ لَا يسَعُنِي مَلَك مُقَرّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ»۱.
أو كما يقول المرحوم السيد هاشم الحدّاد: «نحن في مقام لا يقدر جبرائيل على الدنوّ منه، وإنّه عاجز عن إدراك مرتبتنا الوجودية».
اگر ذره اى زين نمط بر پرم *** فروغ تجلى بسوزد پرم٢ [يقول: لو تقدّمْتُ أكثر من ذلك مقدار ذرةٍ، لأحَرَقتْ أنوارُ التجلّي رِيشي].
ولا يخفى أنّ هذا العبد قد قام إلى حدٍّ ما بتوضيح بعض الأمور المتعلّقة بمرتبة العرفاء الإلهيين وخصوصياتهم وآثارهم في المجلّد الثاني من كتاب «أسرار الملكوت».
ثانيًا: الصوفيّ صِنفان: مخلص أو محتال
ومع ذلك، فقد ظهر في زمان الأئمّة عليهم السلام بعض المرائين والمخادعين والماكرين؛ أمثال سفيان الثوري، وجمعوا الناس حولهم، مقابل مدرسة أهل بيت الوحى والطهارة، وقد هيّئوا لعوامّ الناس أرضية الانحراف والاعوجاج، من خلال التظاهر بالعزلة والزهد والإعراض عن الدنيا، وشوّهوا اسم الصوفيّ والأصحاب الواقعيّين لهذه المدرسة من خلال إطلاق اسم «الصوفية» على أنفسهم، وقد استمرّت هذه الحالة على مرّ التاريخ؛ حيث لم يخل هذا المسرح من كلا الصنفين: أهل التوحيد والشهود، وأهل الاحتيال والمكر وعبادة الدنيا.
ويُطلق حافظ الشيرازيّ اسم الصوفيّ على السالك النزيه والسائر مسير الحرم الإلهيّ قائلاً:
صوفى ار باده به اندازه خورد نوشش باشد *** ورنه انديشه اين كار فراموشش باد٣ [يقول: فليهنأ الصوفيّ إذا شَرِب مقدارًا من «الخمر»، وإلّا فعليه أن يترك هذا العمل ولينسه].
أو كما يقول في موضعٍ آخر:
سحرگه رهروى در سرزمينى *** همى گفت اين معما با قرينى كه از صوفى شراب آنگه شود صاف *** كه در شيشه برآرد اربعينى٤ [يقول: في وقت السحر؛ كان «سالك» في بلدٍ من البلاد يحكى هذا اللغز لواحد من أقرانه!!
قال: يا أيها الصوفيّ، إنّما الشراب يُصبح صافيًا عندما يبقى «أربعينًا» في زجاجته!!]
لكنّه يحمل بشدّة على من يقف مقابل هؤلاء الأفراد من أهل النِفاق والمكر والخداع، الذين يظهر عليهم الصلاح والسير والسلوك، فيقول:
- بحار الأنوار، ج ۷٩، ص ٢٤٣، تفسير الصافي، ج ۱، ص ۱۱۸، كشف الخفاء، للعجلوني، ج ٢، ص ۱۷٣، فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ج ٤، ص ۸.
- بوستان سعدى (فارسي)، المقدّمة، ص ۱٦. [يقول: لو اقتربت مقدار شعرةٍ إلى الأعلى لأحرقت ريشي أنوار التجلّي].
اگر يك سر موي برتر پرم *** فروغ تجلى بسوزد پرم - ديوان حافظ الشيرازي، ص ۸٢.«الخمر» في اصطلاح العرفاء قد يُذكر كنايةً عن البارقات والنفحات القدسيّة التي تنزل على قلب الإنسان، والتي توجب السكر الروحاني والسكر المعنوي لا السكر المادي القبيح، وتقطع بالتالي ارتباطَ الإنسان وعلاقته بالدنيا، وتجعل الإنسان يخرج من عالم الكثرة، ويزداد تعلّقه بالله تعالي، وهذه هي حقيقة «الخمر» عندهم.ومراد «حافظ» هنا في هذا الشعر: أنّ الصوفي إذا عرّض نفسه للتجلّيات الجماليّة والنفحات القدسيّة بحدٍ ومقدارٍ معتدلٍ منها، بحيث لا يخرج عن الحالة العاديّة، فهنيئًا له، وهذا مُراده بقوله «بمقدار»، وأمّا لو أنّه لم يفعل ذلك بل أراد أن يعرّض نفسه لمقدارٍ أكثر من المقدار المتناسب مع سعته وتحمّله من التجلّيات والنفحات والبارقات الجماليّة، فإنّ ذلك يُسبّب له الخروج عن طوره وفقدان السيطرة على نفسه وتجاوز حدّ الاعتدال، وذلك يمكن أن يسوقه للقيام بأعمالٍ وتصرّفاتٍ غير طبيعيّةٍ، ولذا فإنّ حافظ يقول: إنّ هذا التصرّف غير صحيحٍ؛ لأنّه ينبغي على الإنسان أن يكون معتدلاً في مسائل الكمال والاستفاضة، وأن تكون مسألة التجلّيات موزونةً ومحسوبةً بالدقّة!
- نفس المصدر، ص ٣۷٦.
