
هل جميع المكاشفات فاقدة للحجية مطلقا؟
شبهة مدرسة التفكيك و جوابها
كيف تحصل المكاشفات لدى الأنسان؟ وهل جميع المكاشفات لها شكل واحد؟ وكيف نميّز الصحيح منها من السقيم؟ وكيف نعرف أن المكاشفات مطابقة للحق؟ وهل يمكن أن تكون حجة؟ وما هو الوجه في حجيّتها؟ أسئلة مهمة أجاب عنها سماحة آية الله الحاج السيد محمد محسن الطهراني قدس سره في هذا البحث المهم المستفاد من كتابه القيم حريم القدس.
هل جميع المكاشفات فاقدة للحجية مطلقا؟
3جان همه روز از لگدكوب خيال *** وز زيان وسود وز خوف زوال نى صفا مى ماندش نى لطف وفر *** نى بسوى آسمان راه سفر۱ [يقول: لما كانت الروح في كلّ يومٍ تقع تحت ضغوط الخيال والتفكير في النفع والضـرر وخوف الزوال. لذا فلا صفاءَ يبقى لها ولا لطفَ ولا جلال، ولا طريقَ لها ترحل منه صوب السماء.]
ما هي موانع حصول المكاشفات التوحيديّة والتجليّات الجماليّة؟
إنّ إدراك الحقائق الكلّية لعالم الوجود مشروطٌ بصفاء النفس وتزكية القلب، ومرهونٌ ببلوغ مراتب التجرّد، وبدون تحصيل هذه المراتب لن تستطيع النفس الرؤية والمشاهدة، بل ستعيش في عالم المثال الأسفل في دائرة الصور البرزخيّة سواءً في النوم أم في عالم المكاشفة الصوريّة في اليقظة. ولا تختصّ هذه الحالة ـ أي حالة العيش في عالم المكاشفات البرزخيّة ـ بالمؤمن المتديّن بالأديان الإلهيّة، بل من الممكن أن تحصل حتّى لغير المعتقدين بالأديان من المرتاضين وغيرهم، بل إنّ الـتأثير على النفوس والتصـرّف بالأرواح والإخبار عن المغيبات والقيام بخوارق العادات أيضاً إنّما تتحقّق بأجمعها في حدود دائرة عالم المادّة.
وأمّا المكاشفات التوحيديّة والجذبات الجماليّة والبوارق الجلاليّة التي توجب انقطاع النفس عن التعلّق بالغير، وحتّى عن تعلّق السالك بنفسه وذاته، فهي إنّما تتجلّى بشكلٍ كاملٍ في عالم التوحيد والنور والتجرّد، وما لم تصل النفس إلى مرحلة التجرّد والانقطاع عن ذاتها من خلال التزكية والتهذيب والمراقبة، فسوف يكون من المحال إدراك هذه المعاني سواءً كان ذلك من خلال المكاشفات التوحيديّة أم بواسطة الرؤية الصادقة أو من خلال إعمال العقل الفعّال في النفس العاقلة للسالك.
ولذلك نرى عظماء الطريق وكبار العرفاء ذوي الشأن الرفيع وفلاسفة الإسلام يعتبرون أنّ مجرّد الاشتغال بالعلوم العقليّة والفلسفيّة ـ دون رعاية جانب تهذيب النفس ومراقبتها وتهذيبها والرقّي بها في مراتب الفعليّة والتجرّد ـ غير كافٍ للتكامل ولا وافٍ بهذا الغرض، كذلك الأمر بالنسبة إلى أداء التكاليف الشـرعيّة والقيام بالواجبات دون الالتفات إلى جهتها المعنويّة والباطنيّة، فجميع ذلك لن يُقدّم للمكلّف شيئًا من الترقّي والقرب ولو بمقدار مثقال ذرّةٍ.
- مثنوي معنوي (طبع كلاله خاور)، الدفتر الأول، ص ۱۱، تحت عنوان: سؤال الخليفة ليلى وجوابها إياه.
