
عواقب الشورى مع وجود المعصوم
بحث منتخب من محاضرات سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه
متى طرح بحث الشورى عند فقهاء الإماميّة وكيف عمل به؟ ما هي أهميّتها وضرورتها وكيف نثبت مشروعيّتها؟ وما هي شروط تطبيقها لتحقيق غرضها؟ وماذا جرى في التاريخ عند عدم الالتزام بشروطها؟ وحول أيّ الأمور يعمل بها؟ تعرّض المحاضر رضوان الله عليه لهذه الأبحاث ضمن ثلاث محاضرات من سلسلة شرح حديث عنوان البصري من 59 إلى 61، وذلك عند شرحه لفقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا مع تناوله خلالها لمواضيع أخرى، ومزجه للإجابات على تلك الأسئلة بعضها مع بعض بما يناسب أسلوب المحاضرة، وقد عملت الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي على ترتيب المضامين المتناسبة تحت عنوان واحد ضمن أربع مقالات مع المحافظة على كلام المحاضر بحرفيته والإشارة إلى مصدره لتخرج في بنائها العام بما يشبه المقالة العلميّة وإن كان أسلوب الكلام فيها أسلوب محاضرة. وكان المحاضر أثناء المحاضرة قد أبدى رغبته بكتابتها. وتمثّل هذه المقالة الثالثة منها وتجيب على السؤال الرابع حول ما جرى في التاريخ نتيجة عدم الالتزام بضوابط الشورى والعمل بها مع وجود المعصوم.
عواقب الشورى مع وجود المعصوم
2أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نُفوسنا
أبي القاسم محمّد وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
«ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرًا»
قال إمامنا الصادق عليه السلام لعنوان البصري: «أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكًا لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرًا».
فيجب أن لا يدبّر العبد لنفسه وأن لا يسعى إلى تنظيم الأمور على أساس كيفيّة أفكاره والوصول إلى نواياه وآماله.
تقدّمت بعض الأمور حول هذه الفقرة ووصل كلامنا إلى أنّ أوامر الإسلام والشرع في التطبيق الدقيق والتدبير لجميع الأمور الشخصية والاجتماعيّة والحركات الفرديّة والاجتماعيّة هو لأجل الوصول إلى نقطة الكمال الشخصي والكمال الاجتماعي. وقد ذكرنا بعض الأمور في التوفيق بين هذه الفقرة الشريفة وما لدينا حول التدبير من معطيات عقليّة وعرفيّة وشرعيّة.
وحديثنا الآن هو حول كيفيّة تنظيم الأمور الاجتماعيّة في الحكومة الإسلاميّة… . وسنتحدّث على شكل فهرس وبالإجمال، وإن شاء الله إذا وفق الله لاحقًا سنكتب ذلك بشكل مفصّل۱.
عواقب الشورى مع وجود المعصوم في التاريخ
۱ - خذلان مسلم وقتل الإمام الحسين عليه السلام
أيّها السادة ثلاثون ألف رجل كانوا يصلّون خلف مسلم في الكوفة ثلاثون ألف رجل كانوا يصلّون في الكوفة هل تشرّفتم بزيارة مسجد الكوفة؟! إن كنتم تشرّفتم فإن شاء الله توفّقون مرّة أخرى، وإن لم تكونوا ذهبتم، وفّقكم الله لزيارة هذه الأماكن المقدسة في أسرع وقت ممكن، فمسجد الكوفة كبير جدًّا، ثلاثون ألفًا ليست بشيء، أعتقد أنه يمكن أن يحتوي مائة ألف مصلّ! نعم أكثر من ذلك يصلي في مسجد الكوفة هذا. هنا كان أمير المؤمنين يصلّي، هنا كان مسلم يصلّي، وكان يتحدّث إلى الناس ويبيّن الأمور، وذات ليلة جاء ولم يكن أحد خلفه. هؤلاء الناس بعينهم، هؤلاء الذين يقولون: جعلت فداك، وأمثال ذلك، لقد اعتادوا أن يأخذوا ماء الوضوء للتبرّك به فيمسحوا به وجوههم، هؤلاء الذين ينظرون إلى الظاهر، ينظرون إلى الحشود وإلى الكثرة، يقولون يا للعجب! لقد انتهى الأمر، انتهى أمر يزيد. انتهى أمره! انظر إلى هذا الحشد! ثلاثون ألف رجل، ثلاثون ألف سيف، ثلاثون ألفًا من الخيل، فسنذهب ونضرب، وماذا سنفعل، سنقلب الشام رأسًا على عقب. سنقضي عليها، سنفعل كذا وكذا، ونفعل كذا وكذا. سيدي، وبشائعة، وشيء يسير من المال والدراهم والدنانير، وبإشاعة أنّ جيش يزيد الآن على ثمانية فراسخ، وغدًا سيقضون عليكم، لم يبق حتّى رجل واحد.هل التفتّم الآن إلى مستوى اعتقاد الناس؟ لم يقف معه حتّى رجل واحد. على الأقل كان يجب أن يخرج اثنان لينظرا ما إن كان هناك شيء عند الثمانية فراسخ أم لا، لا ولكن رجعوا جميعًا بسبب هذه الإشاعة إلى منازلهم وغلّقوا الأبواب. أين ماء الوضوء وأين البرَكة! إلى أين ذهب كلّ هذا؟! وهنا وكما قالوا في يومنا هذا. يلتفت الإمام الهادي عليه السلام ويقول: ما العمل عند الشك؟! يقول الإمام: استخدم عقلك، استخدم عقلك! لذا انهض وانطلق وانظر. افترض أنّك رأيت... اجلس وفكّر، لأيّ غاية تعيش أنت؟ من أجل ماذا تريد الحياة؟ لماذا تريدها؟ إمامك الآن قد أرسل مسلمًا، وإمامك الآن أرسل نائبه، في رسالة كتبها لأهل الكوفة، يقول الإمام: أرسلت إليكم أخي، وهو يعبّر عن مسلم كأخ، ثمّ بعد ذلك أنت تدير ظهرك؟! إن أدرت ظهرك لمسلم فهذا أمر بسيط، ولكن لماذا أتيت إلى قتال الإمام الحسين بعد ذلك! إنّ ترك مسلم يستتبع قتال الإمام الحسين، هناك طأطأت رأسك وقلت: إن شاء الله لا يرى الله، غادرت المسجد، وذهبت إلى البيت، فقلت: الله لا يرى! يقول الله: حسنًا سأغمض عيني عن الأمور الأخرى، وأكلك إلى نفسك! وإذا أغمض الله عينيه فالويل الويل! انظر ماذا سيحلّ بهذا العبد؟ يذهب ويأخذ برأس الإمام الحسين. لقد كان خلف مسلم ثمّ ترك الصلاة ومضى وقتل ابن النبيّ ولو استطاع لقتل النبيّ أيضًا. لقتل النبيّ. ما هذه الحالة؟! هي لأنّ الإنسان لم يستخدم الفهم.
- مقطع من محاضرة شرح حديث عنوان البصري ٥٩ ص ٢.
