
عواقب الشورى مع وجود المعصوم
بحث منتخب من محاضرات سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه
متى طرح بحث الشورى عند فقهاء الإماميّة وكيف عمل به؟ ما هي أهميّتها وضرورتها وكيف نثبت مشروعيّتها؟ وما هي شروط تطبيقها لتحقيق غرضها؟ وماذا جرى في التاريخ عند عدم الالتزام بشروطها؟ وحول أيّ الأمور يعمل بها؟ تعرّض المحاضر رضوان الله عليه لهذه الأبحاث ضمن ثلاث محاضرات من سلسلة شرح حديث عنوان البصري من 59 إلى 61، وذلك عند شرحه لفقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا مع تناوله خلالها لمواضيع أخرى، ومزجه للإجابات على تلك الأسئلة بعضها مع بعض بما يناسب أسلوب المحاضرة، وقد عملت الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي على ترتيب المضامين المتناسبة تحت عنوان واحد ضمن أربع مقالات مع المحافظة على كلام المحاضر بحرفيته والإشارة إلى مصدره لتخرج في بنائها العام بما يشبه المقالة العلميّة وإن كان أسلوب الكلام فيها أسلوب محاضرة. وكان المحاضر أثناء المحاضرة قد أبدى رغبته بكتابتها. وتمثّل هذه المقالة الثالثة منها وتجيب على السؤال الرابع حول ما جرى في التاريخ نتيجة عدم الالتزام بضوابط الشورى والعمل بها مع وجود المعصوم.
عواقب الشورى مع وجود المعصوم
13في الجلسة السابقة، قلت لكم لو أنّ مدرّسًا في الصفّ قال لأطفال الصفّين الأوّل والثاني عندما يكون الثلج يتساقط: أيّها الأطفال أتريدون الدراسة أو الذهاب إلى الملعب واللعب في الثلج الآن؟! فإنّ الجميع يقولون: هيّا بنا نلعب، ولا يقول واحد منهم لا إلا أن يكون مريضًا، الجميع يقولون: لنذهب إلى اللعب بالثلج! كم عدد التلاميذ في الصف؟ ثلاثون، ولو كان هؤلاء الثلاثين الآن ثلاثين ألفًا، مرّة أخرى هؤلاء الثلاثون ألفًا سيقولون: لنذهب إلى اللعب بالثلج. وإذا أصبح هؤلاء الثلاثون ألفًا ثلاثين مليونًا، سيرفع الثلاثون مليونًا أيديهم للذهاب إلى اللعب بالثلج. لا يقول واحد منهم يجب علينا أن ندرس، ولا يقول واحد إنّ حياتنا تذهب هدرًا الآن. لماذا؟ لأنّ هناك ثلاثين مليون طفل، وليسوا ثلاثين مليون بالغًا، وليسوا ثلاثين مليون حكيمًا، بل ثلاثون مليون طفل يقولون: هيا بنا نلعب بالثلج. لماذا الدرس؟ لماذا نتعلم الأبجديّة؟ لماذا نتعلم الضرب والجدول والقسمة؟
إنّ وضع الإمام عليه السلام مع مختلف الناس هو كحالة معلم الصفّ مع الأطفال. لا يستطيع المعلّم أن يطيع الأطفال. إذا أطاعهم وذهب هذا الطفل ليلعب بالثلج وسقط أو أصيب بالتيفوئيد ومات، فلن يُطرد المعلم غدًا من هذه المدرسة فحسب، بل سيدينونه أيضًا في المحكمة أن ماذا تفعل أنت هنا؟ لماذا جعلناك هنا؟ لئن أراد الأطفال ذلك لا بأس فليريدوا فهل عليك أن تطيع كلّ من تمنّى وأراد أمرًا ما؟ إذن لماذا لديك عقل ولماذا لديك تجربة؟ ما الهدف من هذا؟
وينطبق الأمر نفسه على الإنسان الكامل، لقد وصل الإنسان الكامل إلى نقطة المعرفة، فهو يقيّم الأشياء من وجهة نظر الشهود وليس من وجهة نظر الظاهر. [فمثلاً يقول الإنسان العاديّ:]
ـ لقد قال فلان كذا اليوم، لذا دعني أفعل ذلك.
ـ حسنًا، غدًا سيتراجع عن كلامه، فماذا تفعل أنت؟
يقول: لقد قلت.
ـ غدا سيقول: لن أفعل، غدًا يتراجع عن كلامه.
وفقًا لهذا، يتقدّم المرء إلى الأمام ثمّ يتراجع غدًا عن كلامه فيجد نفسه في طريق لا عودة فيه. هذا حال الإنسان غير الكامل، أأنت تعلم أنه سيتراجع غدًا؟! أمير المؤمنين عليه السلام يخبر هؤلاء بلسان الحال بأنّكم تقتلون الآن عثمان، وهذا معاوية والذي هو الآن حامي عثمان، سيثور غدًا من أجل المطالبة بالخلافة لنفسه. فهذا ما لا تعرفونه أنتم وأنا أعرفه. يقولون: لا يا عليّ، انظر إلى الجيش واعرف ماذا هناك، نحن خمسون ألف مقاتل إلى جانبك، نذهب ونري معاوية! نحن تسعون ألف مقاتل نقوم بالقضاء على معاوية. تفضّلوا! تستمرّ معركة صفّين ثمانية عشر شهرًا ثمّ تنتهي بهزيمة أمير المؤمنين ويعود إلى الكوفة، فالإمام لم يصل إلى نتيجة.
