
الشورى شروطها وكيفيّتها
بحث منتخب من محاضرات سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني
متى طرح بحث الشورى عند فقهاء الإماميّة وكيف عمل به؟ ما هي أهميّتها وضرورتها وكيف نثبت مشروعيّتها؟ وما هي شروط تطبيقها لتحقيق غرضها؟ وماذا جرى في التاريخ عند عدم الالتزام بشروطها؟ وحول أيّ الأمور يعمل بها؟ تعرّض المحاضر رضوان الله عليه لهذه الأبحاث ضمن ثلاث محاضرات من سلسلة شرح حديث عنوان البصري من 59 إلى 61، وذلك عند شرحه لفقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا مع تناوله خلالها لمواضيع أخرى، ومزجه للإجابات على تلك الأسئلة بعضها مع بعض بما يناسب أسلوب المحاضرة، وقد عملت الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي على ترتيب المضامين المتناسبة تحت عنوان واحد ضمن أربع مقالات مع المحافظة على كلام المحاضر بحرفيته والإشارة إلى مصدره لتخرج في بنائها العام بما يشبه المقالة العلميّة وإن كان أسلوب الكلام فيها أسلوب محاضرة. وكان المحاضر أثناء المحاضرة قد أبدى رغبته بكتابتها. وتمثّل هذه المقالة الثانية منها وتجيب على السؤال الثالث حول شروط تطبيقها.
الشورى شروطها وكيفيّتها
5فلو حصل أن رشّح أحد هؤلاء لرئاسة الجمهوريّة، فإنّه سيفوز حتمًا بدون أيّ شكّ. لماذا؟ لأنّ مدركات الشابّ ومدركات الناس في حدود دائرة خاصّة. فتجارب إنسان عاقل، إنسان خبير، إنسان خبر الدنيا وذاق حلوها ومرّها، لا يملكها بالطبع شابّ يافع في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، أو العشرين، ليس له اطّلاع على ما سيجري في المستقبل. إنّ رؤيته وإدراكه وبصيرته محدودة بالقياس إلى من حوله. فالأب عندما يشخّص، الكبير عندما يشخّص، فهؤلاء هم من يعلم أمور المستقبل، ويعلمون العواقب، ويعلمون الجوانب. هؤلاء يعلمون ما يجري. فأنت لمن تسلّم البلاد؟ فهل تسلّمها لإنسان كهذا؟ حسنًا على كلّ حال۱.
إنّ وضع الإمام عليه السلام مع مختلف الناس هو كحالة معلم الصفّ مع الأطفال. لا يستطيع المعلّم أن يطيع الأطفال. إذا أطاعهم وذهب هذا الطفل ليلعب بالثلج وسقط أو أصيب بالتيفوئيد ومات، فلن يُطرد المعلم غدًا من هذه المدرسة فحسب، بل سيدينونه أيضًا في المحكمة أن ماذا تفعل أنت هنا؟ لماذا جعلناك هنا؟ لئن أراد الأطفال ذلك لا بأس فليريدوا فهل عليك أن تطيع كلّ من تمنّى وأراد أمرًا ما؟ إذن لماذا لديك عقل ولماذا لديك تجربة؟ ما الهدف من هذا؟
وضع الإنسان الكامل مع الناس كوضع الإمام معهم
وينطبق الأمر نفسه على الإنسان الكامل، لقد وصل الإنسان الكامل إلى نقطة المعرفة، فهو يقيّم الأشياء من وجهة نظر الشهود وليس من وجهة نظر الظاهر. [فمثلاً يقول الإنسان العاديّ:]
ـ لقد قال فلان كذا اليوم، لذا دعني أفعل ذلك.
ـ حسنًا، غدًا سيتراجع عن كلامه، فماذا تفعل أنت؟
يقول: لقد قلت.
ـ غدا سيقول: لن أفعل، غدًا يتراجع عن كلامه.
وفقًا لهذا، يتقدّم المرء إلى الأمام ثمّ يتراجع غدًا عن كلامه فيجد نفسه في طريق لا عودة فيه. هذا حال الإنسان غير الكامل، أأنت تعلم أنه سيتراجع غدًا؟!٢
٢. أن تكون عند عدم إمكان الوصول إلى الإمام في حال وجوده
إنّ المعيار والميزان في الحكومة الإسلاميّة وفي الأعمال الشخصيّة هو اتّباع الحقّ. هذا هو المعيار، وعند وجود الإمام عليه السلام فالمعيار هو الإمام نفسه. عندما يكون هناك إمام يتعامل معه الإنسان فإنّ كلامه هو المعيار. ليس لدينا ما هو أعلى من كلام الإمام. فالمعيار هو كلام الإمام، لكنّ النقطة المهمّة هنا هي أنّه هل هذا الإمام متاح لجميع الناس أينما كان عليه السلام؟ فنحن ليس لدينا عشرة أئمة معًا، ليس لدينا مائة إمام، الإمام هو رجل واحد له خصوصيّات ظاهريّة ويختار العيش في مكان واحد، إمّا في الكوفة، أو المدينة، أو في مرو، أو في بغداد، أو في سامراء، وليس هناك مكان آخر. حسنًا، ما دام الإمام عليه السلام في مكان واحد، فما هو واجب الآخرين في البلدان الأخرى في عهد الإمام عليه السلام؟ أولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى الإمام، لنفترض أنه إذا هاجم عدوٌّ أحد هذه البلاد عند حدود العدوّ، فستظهر لهم مشكلة، ولو واجهتهم مشكلة في قضيّة اجتماعيّة، فلو أرادوا أن يرسلوا إلى المدينة المنوّرة ويطلبوا من الإمام عليه السلام الحلّ سيكون الأمر قد انتهى برمّته، سيكون الأمر قد انتهى، أفهل يمكن الوصول إلى الإمام حتّى في زمان الإمام عليه السلام؟ حتى في زمان رسول الله لم يكن الوصول إلىه ممكناً، فرسول الله في المدينة المنوّرة، وعلى بعد أميال قليلة من المدينة المنوّرة لم يعد بالإمكان مقابلة رسول الله. الناس في البلدان الأخرى لا يستطيعون لقاء رسول الله. لم يكن دأب رسول الله والأئمة الذهاب إلى كلّ مكان عند أيّ مشكلة وتقديم الحلّ. لا. أين كانت أمثال هذه القضايا؟ متى جاء أمير المؤمنين عليه السلام بطرق خارقة للعادة وبيّن الأمر للناس؟ لم يفعل ذلك. نعم عن طريق الولاية وأمثال ذلك لا كلام فهذا في مكانه، ولكن حسب الظاهر كان أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة، فما هو تكليف الذين كانوا في خراسان في زمان أمير المؤمنين، في مصر، في اليمن، في البصرة، في الحجاز، لأنّ العاصمة في عهد علي عليه السلام كانت الكوفة، كانت مركز الحكومة الإسلاميّة. فلو حدثت مشكلة للنّاس في الحكومة الإسلاميّة فما هو التكليف رغم وجود الإمام المعصوم عليه السلام؟ يجلسون هكذا ويقضى عليهم ويحدث الفساد لأننا لا نستطيع الوصول إلى الإمام أم لا، فما العمل؟ يجب طرح القضية للتشاور.
- مقطع من محاضرة عنوان البصري ٦۱، ص ٤ـ ٥.
- مقطع من محاضرة عنوان البصري ٦۰ ص ۱٣.
