
أسئلة وملاحظات ترتبط ببعض جوانب الذكر
خصصت هذه المقالة للجواب عن ثلاث أسئلة مهمة حول الذكر والورد، هي: - كيف نذكر الله في خضمّ الحياة الاجتماعيّة ومشاغلها؟ - كيف نعالج قلّة المبالاة بالعبادة والذكر؟ - هل يتوقّف الإنسان عن الذكر في مرحلة ما أم أن الواصلين هم أيضا يحتاجون للذكر؟ جدير بالذكر أن هذه هي المقالة السادسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
أسئلة وملاحظات ترتبط ببعض جوانب الذكر
5إنّ كلّ ذلك الكلام هو لأجل الفرار من المسؤوليّة، لا يمكن لأحدهم أن يسلك هذا الوادي فيشرع بالطعن على الآخرين. لا قدرة له على الدخول في هذا الطريق فيأخذ بالاستشكال على الآخرين.۱
كان المرحوم العلامة يقول:
كنت في مجلس في النجف الأشرف فنشب نزاع بين اثنين، وسمعت بأذني رجلاً من بيوت أحد العلماء يقول لرفيقه: لماذا جئت بفلان (الحاج عبد الرزاق الكرمانشاهي) من كرمانشاه إلى النجف، وأسكنته في هذا البيت ولم تأخذه إلى فلان؟ هؤلاء الذين يأتى بهم إلى النجف لا بدّ أن يبقوا بضعة أيّام فقط ثمّ يُخرجون منها، لأنّهم لو بقوا في النجف واطّلعوا على حقيقة أفكار وأخلاق بعض الناس ورأوا القضايا التي تجري في البيت، فإنّهم إذا رجعوا إلى بلادهم نقلوا للآخرين فيُسدّ طريق الحقوق الشرعيّة. ٢
أيّة مصيبة هي هذه؟! وما هي الأحداث والمسائل التي تجري في هذه البيوت حتّى أنّهم لا يجرؤون على إسكان أحد من الخارج في ذلك المحيط؟! ومع ذلك فإنّ هذا الرجل بعينه يعترض على المرحوم الكمباني ويقول:
"إنّ هذه الأعمال التي يقوم بها هي أعمال الدراويش والتصوّف، والعلماء مكلّفون بالتبليغ ويجب عليهم أن يكونوا حاضرين في المجتمع، فماذا ينتفع الإنسان من السجود والذكر؟!
في النهاية أيّها الأحمق، أنت لا تدرك أصلاً لذّة الحلاوة التي يذوقها هذا العظيم بهذه الأذكار لكي تتّبعه! إنّ لذّتك هي في الفتنة بين اثنين، في الاتّهام، في إلقاء الخلاف والتعرّض لمن يريد أن يسير في طريقه الخاص ويشتغل بأعماله الخاصّة والقضاء على جذور الإسلام.
كانوا يعترضون على العلامة الطباطبائي، لأنّه عندما كان يخرج إلى الدرس كان يطأطئ رأسه ولاينظر إلى أحد،٣ فالعلامة يرى من أمثالكم هذه المسائل فلا یعتني بكم ولا يرتبط بكم.٤
المعاني الأربعة لاستبدال الدنيا بالذكر في كلام أمير المؤمنين
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة له حول الآية الشريفة: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾٥: وإنَّ لِلذِّكرِ لَأهلًا أخذوهُ مِنَ الدّنيا بَدَلًا، فَلَم تَشغَلهُم تِجارَةٌ و لا بَيعٌ عَنهُ.٦ ويمكن أن نتصوّر تباعًا كيف يمكن للإنسان أن ينشغل بالذكر بدلاً من الدنيا ضمن عدّة معان:
- ذهبنا يومًا إلى مكان كان فيه عدد من الفقراء، فقلت للرفقاء هؤلاء واقعًا محتاجون فمن كان بإمكانه فليساعدهم، وكان الأصدقاء يساعدون بكلّ رضى، ولكنّ رجلاً لم يكن ليمدّ يده إلى جيبه، وكان يعترض على الآخرين بأنّكم بفعلكم هذا تزيدون المتكدّين، فهؤلاء الناس لا يدخلون في هذه المسائل، وبدلاً من ذلك يقضون أوقاتهم بالاتّهام والغيبة وأنّ فلانًا ماذا صنع وماذا سيصنع؟ وكأنّ هذه الأفكار أن كيف نرسل رسالة عن فلان ونوقع الاثنين في الفتنة؟ وما هي الطرق التي نسدّها؟ هي من الوظائف والواجبات!
- سالك آگاه، ج ۱، ص ٥۷.
- آيين رستگارى، ص ۱٦۱.
- مقطع من عنوان البصري ۱٣
- سورة النور (٢٤)، الآية ٣۷.
- نهج البلاغة (عبده) ج٢، ص ٢۱۱.
