
أسئلة وملاحظات ترتبط ببعض جوانب الذكر
خصصت هذه المقالة للجواب عن ثلاث أسئلة مهمة حول الذكر والورد، هي: - كيف نذكر الله في خضمّ الحياة الاجتماعيّة ومشاغلها؟ - كيف نعالج قلّة المبالاة بالعبادة والذكر؟ - هل يتوقّف الإنسان عن الذكر في مرحلة ما أم أن الواصلين هم أيضا يحتاجون للذكر؟ جدير بالذكر أن هذه هي المقالة السادسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
أسئلة وملاحظات ترتبط ببعض جوانب الذكر
4ومقام الجامعيّة والشمول۱ الذي جعله الله في شريعة النبيّ الأكرم هو عبارة عن الحركة نحو الكمالات الإنسانيّة مع الالتفات إلى رعاية كافّة القوانين والأعمال الظاهريّة في العلاقة مع الزوجة والأبناء، والأقارب والأرحام، والرفيق والشريك والجار، وسائر الجوانب التي لا بدّ للإنسان منها في هذه الدنيا.
موقف الإسلام من الرهبانيّة
والنقطة المهمّة للغاية هي أنّ الإسلام لا يرى رهبانيّة النصارى كافية ووافية للوصول؛ لذا فإنّ الرهبانيّة في الإسلام ليست مذمومة٢ ولكنّها ليست كافية.
فليس في الإسلام عقاب على الرهبانيّة والانعزال وعدم الدخول في المسائل الاجتماعیّة، وليست أمرًا محرّمًا مخالفًا لرضى الله، بل يعدّها الإسلام منهجًا ناقصًا لتكامل الفرد، وحيث إنّ الإسلام هو الطريق الأتمّ والأكمل، فمن ناحية عقليّة يعدّ انتخاب الطريق المرجوح محلّ تأمّل.٣ و ٤
اهتمام الأئمة والأولياء بالأوراد رغم مزاولتهم شؤون الحياة
إنّ الإمام عليه السلام يريد بعبارة: مع ذلك لي أوراد في كلّ ساعة من آناء الليل والنهار أن يقول لعنوان البصري: رغم أنّ لي أعمالاً وأنّي على ارتباط مع الناس وأهتمّ بإدارة أمور المنزل وما هو خارجه، فقد جعلت في الوقت نفسه وقتًا لأورادي وأذكاري، فلو لم تكن، لما استطعت أن أقوم بذينك الجانبين وآخذ نصيبي من هذه الحياة.
الشيخ محمّد حسين الأصفهاني صاحب السجدات الطويلة لم يكن عاطلاً عن العمل
لم يكن المرحوم الشيخ محمّد حسين الكمباني الأصفهاني ـ والذي كان يقضي ساعات في حرم أمير المؤمنين عليه السلام ساجدًا يذكر الله ـ بالإنسان العاديّ العاطل عن العمل، هذا الرجل العظيم الذي تُقرأ اليوم كتبه ككتب دراسيّة، كان من أعلم فضلاء النجف ومراجعه، لم يكن إنسانًا مجنونًا خسر عقله ليجلس ساعات في الحرم المطهّر لأمير المؤمنين عليه السلام ويذكر الله.
في حين أنّ هؤلاء العلماء والشيوخ كانوا يسخرون منه ويطعنون عليه ويقولون: "انظروا إلى هذا الإنسان العاطل قد سجد كالدراويش في الحرم يذكر الله."
لئن كان ذكر الله والسجود يجعلان الإنسان من الصوفيّة، فإنّ موسى بن جعفر ـ الذي كان يسجد من الصباح حتّى الظهر وبعد صلاة الظهر يسجد من جديد إلى الغروب ـ هو رئیس المتصوفة!
- تفسير بيان السّعادة، ج ٤، ص ٩٩: «إنّ محمّدًا صلّى اللهُ عليهِ و آلِهِ و سَلَّمَ قالَ: "إنَّ أخى موسى عليهِ السّلامُ كانَ عَينُهُ اليُمنى عَمياءً و إنَّ أخى عيسى عليهِ السّلامُ كانَ عَينُهُ اليُسرى عَمياءً و أنا ذو العَينَينِ."»
- الذمّ هنا بمعنى الحرمة والمخالفة لرضى الله، بناء على ذلك فإنّ الرهبانيّة ليست مذمومة في الإسلام.
- الشمس الساطعة، ص: ٣٩٢: وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ، إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (الآية ۱۱۱ و ۱۱٢، من السورة ٥: المائدة.)
قيل إنّ جميع الحواريّين كانوا من الصالحين الطيّبين إلّا واحداً منهم دلَّ أعداء المسيح عليه عند ما كانوا في صدد البحث عنه، فجاءوا للقبض عليه إلّا أنّه عرج إلى السماء و رُفع من بين الناس تماماً.
و كان مجموع الحواريّين اثنى عشر، تبيّن انحراف أحدهم، أمّا الباقون فبقوا ثابتين على سيرة المسيح و نهجه، و صمّموا بأجمعهم أن لا يتخذوا أزواجاً لهم و ذلك متابعة لنهجه، و أن لا يتّخذوا لهم مكاناً و لا مسكناً، و لا يُقيموا في مدينة؛ بل يجولون من مدينة إلى أخرى و من قريةً إلى أخرى في مهاجرة دائمة للتبشير و دعوة الناس لدين السيّد المسيح عليه السلام و نهجه، منتهجين الرهبانيّة و الاعتزال. و مع أنّ الله لم يشرّع الرهبانيّة، إلّا أنّه ارتضاها.
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَ قَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ. (الآية ٢۷، من السورة ٥۷: الحديد).
بيد أنّهم لم يراعوا شرائط الرهبانيّة و آدابها كما ينبغي أن تكون، و لم يحافظوا على القيام بها كما يجب.
نعم، لقد أنجز الحواريّون دعوتهم و نشروها و أرسوا أسسها و أقاموا دعوة كاملة شملت العالم.
التلميذ: هل عدم زواج السيّد المسيح عليه السلام دليلًا على النقصان؟
العلّامة: ليست دليلًا على النقصان، بل هي دليل على نورانيّة النبيّ عيسى عليه السلام و روحانيّته، أنّه لم يرتبط بهذه النشأة أبداً، فلم يتزوّج و لم يتّخذ له مسكناً و لا بيتاً؛ لقد كان بحدّ ذاته موجوداً خاصّاً.
أمّا الرسول الأكرم فكانت له الجامعيّة و الشمول، إذ كان جامعاً لكلّ آثار و خصائص هذه النشأة بنحو أوفي، و خاصّةً و أنّ سُنّة الزواج هي من مختصّات رسول الله.
وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (الآية ٢۱، من السورة ٣۰: الروم) - مقطع من عنوان البصري ۱٣.
