
أسئلة وملاحظات ترتبط ببعض جوانب الذكر
خصصت هذه المقالة للجواب عن ثلاث أسئلة مهمة حول الذكر والورد، هي: - كيف نذكر الله في خضمّ الحياة الاجتماعيّة ومشاغلها؟ - كيف نعالج قلّة المبالاة بالعبادة والذكر؟ - هل يتوقّف الإنسان عن الذكر في مرحلة ما أم أن الواصلين هم أيضا يحتاجون للذكر؟ جدير بالذكر أن هذه هي المقالة السادسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
أسئلة وملاحظات ترتبط ببعض جوانب الذكر
13ربِّ زِدني فيكَ تَحَيُّرًا۱. وزيادة التحيّر هي بسبب الواردات، لأنّه إذا وصل الإنسان إلى كافّة حدود مسألة ما وأحاط بها فلا معنى للتحيّر. ومعنى كلام النبيّ هو أنّه: يا ربّي، تقدّم بي دائمًا في التعرّف على علمك وقدرتك المطلقين، ولا تجعلني أتوقّف، فكلّما ازددت فيك علمًا ازددت فيك تحيّرًا وتعجّبًا.
لذلك كان النبيّ يقول هذا الذكر حتّى نهاية عمره، وليس النبيّ وحده، بل إمام الزمان عليه السلام كذلك هو في هذا الوقت وفي كلّ لحظة من لحظات حياته يقول: ربِّ زِدني فيكَ تَحَيُّرًا. ويطلب من الله المزيد من العلم والإفاضة.
والآن يصبح من الواضح معنى كلام الإمام الصادق عليه السلام حين يقول:
«لي أورادٌ فى كُلِّ ساعةٍ مِن آناءِ اللّيلِ و النّهارِ، فلا تشغَلني عن وردي» . فالإمام الصادق عليه السلام لا يقصد من قوله لا إله إلا الله ما نقصده نحن، حتّى إنّه من المحال أن نتصوّر حقيقة التوحيد التي يطلبها من الله والحجب المختلفة التي تنكشف له الواحدة تلو الأخرى.
فلأنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، والإمام عليه السلام والأولياء يتمسّكون بالأسماء الكليّة المطلقة لله، ويستفيدون من لانهائيّتها، فقد كانوا حتّى نهايات أعمارهم دائمًا في حالة ذكر٢، ولم يكونوا يرون أنفسهم لحظة واحدة مستغنين عن الورد وذكر الله، أفهل يمكن أن يكون الإنسان مستغنيًا؟!
طبعًا لا شكّ أنّ الأوراد والأذكار ومراتب التوجّه مختلفة ويمكن أن يكون ورد وذكر خاصّ مختصًّا بمرتبة معيّنة، ولكنّ استغناء النفس عن الذكر هو عين الهبوط والتوقّف والورود في الجهل وإغلاق أبواب الرحمة في وجه الاستعدادات الوجوديّة والذاتيّة للإنسان.٣
يحكى في سيرة كمال الملك٤ ـ صاحب اللوحات الشهيرة والذي يمكن أن يقال إنّه رسّام لا مثيل له ـ أنّه في يوم من الأيّام يهدي بضعة لوحات من لوحاته الخاصّة إلى المكتبة الوطنيّة، وعوضًا عن إحدى هذه اللوحات يقوم مسؤول المكتبة بإرسال مبلغ له، فينزعج كمال الملك من هذه الحادثة ويعيد المبلغ ويقول لهم: إن كانوا يريدون أن يدفعوا لي قيمة لوحتي فليأتوا لواحدة من لوحاتي بنظير لكي أدفع أنا المبلغ الذي تقدّر به على وجه الأرض!
- الفتوحات المكّيه، ج ۱، ص ٢۷۱ و ٢۷٢؛ ج ٢، ص ٥٤٥؛ فصوص الحكم، ص ۷٣؛ مرصاد العباد، ص ٣٢٦؛ شرح الأسماء الحسنى، ملّا هادى السبزواري، ص ٥٣٥.
- جاء في المحاضرة ۱٩: وقد كان النبيّ حتّى آخر حياته مداومًا على ذلك، والآن أيضًا يداوم رسول الله على الذكر الإلهيّ، غاية الأمر أنّ كيفيّة الذكر بعد الوفاة تختلف عنها قبل الوفاة.
- مقطع من عنوان البصري ۱۸.
- كمال الملك رسام إيراني اسمه محمد غفاري، ولد في سنة ۱۸٤۷ وتوفي سنة ۱٩٤۰. يعتبر أحد أشهر رسامي إيران المعاصرين، وله آثار كثيرة ومهمة في قصور ملوك إيران ومراكزها الثقافية الكبرى. (م)
