
الظروف المحيطة بالذكر النافع
ما هي الأجواء والظروف التي تجعل الذكر والورد نافعا؟ وما هي الأمور التي لها أثرٌ سلبي على الذكر؟ أسئلة تجيب عنها هذه المقالة الخامسة من سلسلة مقالاتٍ حول الذكر والورد في السير والسلوك. وجدير بالذكر أن هذه المقالات قد استفادتها الهيئة العلمية لموقع مدرسة الوحي من محاضرات شرح رواية عنوان البصري لسماحة آية الله السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه
الظروف المحيطة بالذكر النافع
9مجالسة أهل الغفلة
الأمر الثالث: كثرة مجالسة أهل الغفلة، وأهل الغفلة هم أناس ليس لهم من حركاتهم وسكناتهم أيّ هدف عقلائيّ ومنطقيّ، ويقضون أيّامهم ولياليهم بالعبث. وقد كتب المرحوم آية الله الأنصاريّ رضوان الله عليه في تتمّة هذه الرسالة: "وكلّما حاول الإنسان أن يأنس بالوحدة كان خيرًا له، خصوصًا إذا ما ابتعد عن وسط الجمع، فإنّ لشرور النفوس الخبيثة تأثير السموم."۱
فسواء شاء الإنسان أم أبى، هناک في العلاقة مع الناس تبادل وتأثير، وهذا التأثير ليس باختياره، فهل يمكن أن يسقط الماء على السجّاد ولا يتبلّل؟! وهل يمكن أن تضع يدك في النار ولا تحترق؟! وحتّى لو لقّنت نفسك أنّها لن تحترق، وتحمّلت ولم تصرخ، فإنّها ستحترق وستقوم النار بعملها.
إنّ الارتباط مع أهل الغفلة يجبر الإنسان على الغفلة، وستضيع حالة النورانيّة والروحانيّة التي حصّلها بواسطة الأعمال والعبادات.
حديث الإمام الكاظم عليه السلام مع هشام بن الحكم حول العزلة
يقول الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام لهشام بن الحكم:
يا هشامُ، الصّبرُ علَى الوَحدةِ علامةُ قوّةِ العقلِ؛ فمَن عَقلَ عن اللهِ٢ اعتَزَلَ أهلَ الدّنيا والرّاغبينَ فيها ورَغِبَ في ما عندَ اللهِ، وكانَ اللهُ أُنسَهُ في الوحشةِ، وصاحبَهُ في الوحدةِ، وغِناهُ في العَيلةِ، ومُعِزّهُ مِن غيرِ عَشيرَةٍ.٣
إنّ الصبر على الوحدة وعدم الملل من الخلوة علامة قوّة العقل وكثرته، فمن كان قليل العقل فإنّه يبقى على الدوام باحثًا عن هذا وذاك ويسعى للتواصل. على الإنسان أن يكون طالبًا لأن يكون له حال جيّد وأن يحافظ عليه، فلو أنّ امرءًا جلس في داره مستريحًا ولم يأته أحد فهل سينقص منه شيء؟! وأن يأتي أحد يعني أن يأتي ويقضي وقته معنا، والذي يأتي بهذه النيّة فإنّه يذهب في اليوم التالي إلى آخر ويقضي وقته معه، وما دام الأمر كذلك فهل يرتبط الإنسان قلبيًّا بهكذا إنسان ويثق به؟!
على الإنسان أن لا يفتح باب قلبه لأيّ أحد، وأن لا يفتح الطريق لغير الله إلى هذا القلب الذي هو مكان الله؛ لأنّه هو الوحيد الذي يبقى لنا سواء في الدنيا أو في القبر والبرزخ والقيامة. واللطيف هو أنّنا نظنّ أنّه رقيب عتيد وحارس مسلّح يقف فوق رؤوسنا في حين أنّ كلّ محبّة وودّ وأنس نبحث عنه في العلاقات المجازيّة والاعتباريّة هو يمتلكها بعين الحقيقة ونحن عنه غافلون. فقد جاء في الحديث القدسيّ:
- . مطلع انوار، ج ٢، ص ٣٣٥.
- من وصل عقله إلى أساس يستطيع معه أن يأخذ علمه ودرايته في كلّ أمر من أموره بدون واسطة بشريّة.
- . أصول الكافي، ج ۱، ص ۱۷.
